.
.
.
.

هونج كونج.. وتعدد الزوجات

خليل علي حيدر

نشر في: آخر تحديث:

لفت نظر الرائدة النسائية د. درية شفيق، أول ما وصلت إلى الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين، تزايد عدد النساء وتنامي الاعتماد على المرأة في مختلف مناحي الحياة الأميركية. فمعظم القائمين على أمر الفندق الشهير «والدورف استوريا» من النساء! ولا يمكن أن تتخيل ضخامة حجم هذا الفندق، تقول السيدة درية، إلا إذا رأيته. فهو يكاد يكون بلداً كاملة!

«لفت نظري أن معظم القائمين على أمر الفندق الكبير من النساء، وخاصة الأعمال الدقيقة كمراجعة الحسابات. وحسابات الفنادق دقيقة لا يلي مناصبها إلا الأكفاء، ولم يجدوا كفايات لهذا العمل من غير النساء، فاقتصر عليهن تقريباً في هذه الأعمال، كما شغلت النساء معظم الوظائف الأخرى سواء كانت أعمالاً كبيرة أو صغيرة». وهذا ما كانت الرائدة النسوية المصرية قد رأته في اليابان كذلك، حيث «السيدات يلعبن دوراً ضخماً في نهضة اليابان الحديثة». وتأملت د. شفيق أزقة طوكيو وأحياءها السكنية وكتبت أنك عندما تشاهدها، تشعر بأنك قد انتقلت إلى عالم آخر!

«كل شيء مختلف، الملابس والمنازل والوجوه والطعام. كل شيء في طوكيو له طابعه الخاص، الطابع الياباني الجميل، كل خطوطه هندسية، حتى وجوههم يخيل إليك أنها مرسومة طبقاً لخطة هندسية».

وأشادت د. شفيق كما هو متوقع بعبقرية اليابانيين في مجالات الإنتاج، وبتعاون الرجل والمرأة لرفعة البلاد، واستطردت تشرح استرداد البلاد لعافيتها الاقتصادية.. فقالت: «اليابان نموذج للبلد المنتج الذي يخلق الكثير من القليل والذي يصنع المعجزات في ميادين الصناعة والتجارة، فاليابانيون يحسنون استغلال مواردهم، بل أكثر من ذلك أنهم يستعينون بموارد الغير، فعلى الرغم من المساحة الهائلة التي تتمتع بها اليابان من الغابات، إلا أنها تستورد أخشاباً أخرى لصناعتها، وهي تصدر الأرز الياباني الفاخر بسعر مرتفع لتستورد بدلاً منه أرزاً من الأصناف العادية للاستهلاك المحلي، كما يحسنون استغلال المياه الإقليمية، حتى كانت اليابان هي ثاني بلد في صيد السمك في العالم قبل الحرب الأخيرة، وقد بدأت تستعيد مكانتها مرة أخرى في السنوات الأخيرة. ولا يستطيع أحد أن ينكر فضل طرق الصناعة اليابانية ومساهمتها في تطور فن «التكنولوجي» الصناعي في العالم والدقة المتناهية في منتجاتها ورخص سعرها إلى حد يثير الدهشة...». واستمعت الرائدة النسوية المصرية إلى اليابانيين وهم ينتقدون سياسة بلادهم التوسعية خلال الحرب العالمية الثانية وما قبلها: لقد قال لي أحد الصحفيين اليابانيين البارزين في طوكيو «لقد أخطأت اليابان تقدير الوقت، لقد كان الاستعمار ممكناً في الماضي، أما اليوم، فقد لُقِّنت اليابان درساً، هي وألمانيا، في أن هذا الزمن انتهى وأصبح وعي الشعوب قوياً جارفاً مهما بلغت بهم الجهالة والفقر».

ووصلت إلى هونج كونج، ولكن لم تبهرها المباني الحديثة و«ناطحات السحاب» التي ربما لم تكن قيد شيدت آنذاك: «لقد أدهشني جمال هذه البلدة القديمة، إنها بحق لمن أجمل بلاد العالم، وهي شبه جزيرة مرتبطة بجزيرة أخرى.. هي حي المؤسسات التجارية التي تجعل من هونج كونج من أهم المدن التجارية الدولية». فوجئت الرائدة النسوية المصرية في هونج كونج بطلب عجيب من سيدات الحركة النسائية هناك، إذ طلبوا منها أن تلقي محاضرة تهاجم فيها «تعدد الزوجات»!

وأبدت د. شفيق دهشتها من هذا الطلب، ولكنها تذكرت أن عند أهل هونج كونج «شيء أفظع من تعدد الزوجات بمعناه المألوف، لأن الرجل عندهم في استطاعته أن يتزوج مائة امرأة أو أكثر إذا شاء، وكان في استطاعته ذلك، ويعترف المجتمع بالزواج بمجرد أن يقول الرجل لأي فتاة «أنت زوجتي»، فتصبح زوجته..هكذا بدون أوراق أو وثيقة لإثبات حق الزوجة أو شهود أو أية إجراءات رسمية».

وهناك ما هو أخطر وأكثر إثارة للغضب. فالقانون يسمح بأن «يترك الرجل زوجته بنفس الطريقة التي تزوجها بها، أي بمجرد أن يفكر في ذلك دون أوراق أو شهود أو أية إجراءات رسمية كذلك.

ويحتمل أن تكون الزوجة قد أنجبت منه أطفالاً فتتشرد هي وأطفالها دون الاعتراف لهم بأي حق». وقد رأت د. شفيق بنفسها في بيت أحد أغنياء هونج كونج، وكان عبارة عن «سراي» فيه ثمانية أدوار، في كل دور تسكن زوجة وأولادها!

«وذكرني ذلك بمأساة زينب - الطالبة المصرية - في لندن التي تزوجها شاب صيني من دون أوراق أو شهود وكان ذلك الشاب من هونج كونج - وكنت قد قابلتها أثناء زيارتي للندن ولمست مأساتها وما تحملته من آلام. وأدركت السبب الأصلي، أن الشاب الصيني فعل ما كان يمكن أن يفعله في هونج كونج دون أن يكون في ذلك جريمة في نظره، وحدث ما في لندن، وتدخل البوليس الإنجليزي لأن الاستهتار بحقوق المرأة يعتبر من أبشع الجرائم نظر الإنجليز...».

وألقت د. شفيق فعلاً محاضرة على سيدات هونج كونج والحضور، هاجمت فيها هذه العادة هجوماً عنيفاً.

وتقول: «وصفقت لي الحاضرات من السيدات تصفيقاً حاراً وتحسن لهذه المحاضرة، حتى أنني خشيتُ على أزواجهن بعد انتهائها!».

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.