الهند وإيران..اتفاقية ثلاثية
ترتبط الهند وإيران بروابط تاريخية وطيدة. فاللغة الفارسية كانت هي اللغة الرسمية في دواوين الملوك المسلمين، الذين حكموا الهند لقرون عديدة والذين جاءوا في الأصل من مناطق آسيا الوسطى.
وفي الأزمنة الحديثة، أقام البلدان روابط دبلوماسية بينهما عام 1950. وبمرور السنين، برزت إيران كواحدة من كبار الدول المصدرة للنفط للهند، ولكن العقوبات الغربية التي فرضت على طهران بسبب برنامجها النووي، ضربت التجارة بين البلدين، بعد أن باتت القنوات المصرفية الدولية غير متاحة، مما جعل من الصعب على الهند دفع أثمان النفط الذي تستورده من إيران.
وتلزم الإشارة إلى أن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة لم تعد علاقات خصومة بعد التوصل إلى اتفاق معها، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها. وفي الوقت الراهن يعمل البلدان بنشاط على تنمية الشراكات التجارية خصوصاً مع الدول الآسيوية مثل كوريا الجنوبية، واليابان، والصين، والهند.
ولم يكن الغرض من الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الهند «ناريندرا مودي» إلى إيران، صياغة شراكة بين البلدين في مجال الطاقة، والاستثمارات، والتعاون الصناعي فحسب، وإنما كانت الزيارة تنطوي إلى جانب ذلك على قيمة استراتيجية، حيث كانت تهدف لتطوير طريق عبور بري (ترانزيت) إلى أفغانستان عبر ميناء «شابهار».
تمثلت النقطة البارزة في الزيارة في توقيع اتفاقية ثلاثية في مجال العبور البري بين الهند، وإيران، وأفغانستان. وطريق العبور المزمع إنشاءه سيوفر للهند مساراً برياً فائق الأهمية لتجارتها مع أفغانستان ودول وسط آسيا، من دون حاجة للمرور عبر أراضي باكستان.
بالإضافة لذلك تتطلع إيران وباكستان معاً إلى إقامة شراكة في مجال الطاقة. ومما يدخل في نطاق الاحتمالات ممكنة التحقق أن يمتد خط الغاز الممتد من إيران إلى أفغانستان إلى الصين، خصوصاً إذا عرفنا أن إيران وباكستان شريكان نشطان في مشاريع صينية كمشروع «حزام واحد طريق واحد».
منذ أن تولى منصبه، أولى رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي»، جل اهتمامه لتحسين العلاقات بين الهند وبلاد الخليج العربي. ونظراً للاعتقاد السائد عنه بأنه صديق لإسرائيل، فقد كانت هناك توقعات قوية بأنه سيقوم بزيارة مبكرة لإسرائيل بمجرد أن يصعد لذروة السلطة في بلاده. ولكن هذا التوقع لم يتبلور حتى الآن، وبدلاً من ذلك، نجد أن «مودي» الذي يوشك أن يكمل عامين في منصبه، قد ركز بشكل أساسي في علاقاته مع منطقة «غرب آسيا» على منطقة الخليج العربي تحديداً. وفي هذا السياق قام «مودي» بزيارة لدولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومن المقرر أن يقوم بزيارة قطر خلال هذا الأسبوع.
وتأخير زيارة «مودي» لإسرائيل، يمكن أن يعزى إلى استراتيجيته السياسية الداخلية، وخصوصاً فيما يتعلق بالانتخابات المزمع إجراءها في أكبر ولاية هندية وهي ولاية «اترابراديش»، التي تضم أكبر عدد للسكان المسلمين في الهند بأسرها، وبالتالي أكبر عدد من الناخبين.
ومن المعروف أن حزب مودي «باراتيا جاناتا» الحاكم، في حاجة ماسة لتحقيق الفوز في هذه الولاية بالغة الأهمية. فمثل هذا الفوز ليس مهما لسيطرة الحزب على الحكم في هذه الولاية، وإنما لتأمين أكبر عدد من الأعضاء في الغرفة العليا للبرلمان الفيدرالي، حيث يمثل الحزب أقلية لا تمكنه من تمرير الكثير من مشروعات القوانين المهمة. فهذه الولاية هي التي ترسل أعضاء إلى الغرفة العليا للبرلمان الفيدرالي على أساس أوضاع أحزابهم فيها. ومن هنا فإن أصوات المسلمين في هذه الولاية التي تعد الأكبر في الهند كما قلنا مهمة للغاية لـ«ناريندرا مودي» ولحزبه.
*نقلا عن "الإتحاد"