.
.
.
.

كيف نواجه المؤامرات؟

مصطفى السعيد

نشر في: آخر تحديث:

نسمع الكثير من الشكاوي والصراخ عن وجود مؤامرة هنا و هناك تستهدف مصر، بينما لا نبذل الجهد المناسب لكشف المتآمرين، أو إحباط المؤامرات، وكأن إثبات وجود التآمر يكفي وحده لتبرير ما نواجهه من مشكلات وأزمات، سواء المتعلقة بضرب الاقتصاد عموما والسياحة خصوصا، أو دعم الإرهاب في سيناء وغيرها، أو سد النهضة الإثيوبي القادر علي تعطيش مصر، أو استمرار حالة عدم الاستقرار في الداخل.

لا يوجد مبرر لكل هذا الصراخ، فالمؤامرات شيء مألوف في العلاقات الدولية، حتي في فترات السلام والهدوء، وبالطبع تزداد وتيرتها وحدتها في ظل الحروب المتأججة في المنطقة علي جبهات واسعة ومتنوعة، من سوريا والعراق إلي اليمن وليبيا وغيرهما، بل إن المؤامرة جزء طبيعي من العلاقات الإنسانية، وتتجلي في التنافس علي الثروة والسلطة، ولها جذورها في كل الكائنات الحية، حتي يمكن أن نقول إن الحياة تكاد تكون سلسلة طويلة من المؤامرات المكشوفة أو المستترة، في ظل منافسات وصراعات الوجود والترقي.

لسنا إذن في حاجة إلي بذل كل هذا الجهد في إثبات التآمر، لكن علينا أن نتجنب «فوبيا التآمر»، لأن أعراضها خطيرة، والمضي في استمرائها أو استثمارها أكثر خطورة، فهناك من يرغبون في تعليق التقصير علي شماعة المؤامرات، بينما دورهم الأساسي هو إحباط المؤامرات وليس الشكوي من وجودها.

والسؤال شديد الإلحاح والأهمية هو ماذا فعلنا لنحبط المؤامرات؟ وما مدي نجاحنا أو إخفاقنا؟ ومن هم المتآمرون وماذا يريدون منا؟

عندما نستعرض قائمة المؤامرات الأساسية، نجد أن القليل من الإنجازات قد تحقق في خطوات إحباط المؤامرات، وعلي سبيل المثال كانت هناك خطوات بسيطة ومهمة لوضع حد لخطر سد النهضة، بدءا من عقد مؤتمر قمة عربية طارئ، ويمكن دعوة إثيوبيا إليه لمناقشة ضمانات مصرية واضحة بحصتها من المياه، والتلويح بمقاطعة عربية، وليس أكثر.

كما كان من الممكن التقدم بشكوي عربية إلي مجلس الأمن، وطلب وقف بناء السد لأنه يشكل خطرا علي الأمن والسلم الدوليين، وهو ما يضعه في إطار مهام مجلس الأمن، الذي يمكن أن يوقف السد حتي التيقن من ضمانات عدم إضراره بدولتي المصب، وهما مصر والسودان.

كان يمكن فعل الكثير إلي جانب المفاوضات المتعثرة، التي لم تفض إلي شيء جدي، مثلما كان من الممكن أن نفعل الكثير لتجنب الأزمة الاقتصادية، خصوصا ما لحق بالسياحة، ويكفي أن ننظر إلي دول تعرضت لإضعاف العمليات الإرهابية التي تعرضنا لها، ومازالت السياحة لديها منتعشة، أو علي الأقل تأثرت بشكل محدود وطارئ، مثل تركيا وفرنسا وغيرهما.

أعتقد أن المشكلة الحقيقية هي غياب الإدارة السليمة والكفء للأزمات، بل يوجد بعض المسئولين في قطاعات عديدة ينتجون من الأزمات أكثر مما يعالجون، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة علي تصريحات وسلوك بعض المسئولين لنتأكد من هذه الحقيقة المؤلمة.

وزارة الخارجية تقدمت بطلب إلي مجلس الأمن برفع حظر تسليح الجيش الليبي دون تنسيق مع أي من الدول الصديقة، وكانت النتيجة الفشل، بل سببت مشكلات جانبية مع الجزائر وتونس المعنيتين بوضع ليبيا، واعتبرتاه تفردا بالقرار دون مشاورتهما.

رد وزارة الخارجية علي تصريح بان كي مون الذي أعرب فيه عن قلقه حيال أزمة نقابة الصحفيين، لم يتطرق الرد إلي الأزمة، بل تحدث عن مفهومنا المختلف للحريات، وأولويات الحقوق الاقتصادية والأمنية، وكأنه يخاطب الداخل وليس أكبر مسئول في مجلس الأمن الدولي.

محافظ المنيا الذي أصدر بيانا عن بيضة دجاج عليها نقش قريب من لفظ الجلالة، ونشر صورته مع البيضة، بينما كانت المنيا تغلي بأحداث تنبئ بقرب تفجر فتنة طائفية، وتم نشر الكثير عن تجاوزات متطرفين في أكثر من قرية ومدينة، وأججتها مجالس الصلح الوهمية.

وزير السياحة يتحدث عن خطة ترويج سياحي سرية، حتي لا يسرقها منا أحد، وكأن التسويق السياحي ليس علما له أصوله ومقتضياته، وأن الدول ذات الدخل السياحي الضخم تترقب سرقة أفكاره.

وزير الزراعة يعرب عن دهشته من كمية القمح الكبيرة المنتجة، ويقول لم نكن نتوقع هذا الإنتاج الكبير، وليس له مكان للتخزين. عشرات التصريحات التي تصدر كل يوم، والتي تكشف أننا أمام أزمة إدارة، قبل أن نكون أمام أزمات مؤامرات، بل قد لا أبالغ إذا قلت إن أخطر مؤامرة هي عدم وجود الكفاءات القادرة علي الإدارة السليمة، أو علي الأقل التي لا تنتج الكثير من الأزمات، والتي يسهل عليها الاختباء خلف المؤامرات لإخفاء ضعف قدراتها، وعدم اتخاذ ما يلزم لتجنب الأزمات.

إن أي دولة تواجه مؤامرة يكون أول إجراءاتها تحصين الجبهة الداخلية، واحتواء أي مشكلة تثير القلاقل في الداخل، لتجنب استغلالها من المتآمرين، وتسعي إلي احتواء كل القوي والشرائح، وإشراكها في مواجهة المؤامرة، بينما نجد أن مسئولين وإعلاميين يعملون علي توتير الأجواء، بل إيجاد صراعات وتأجيجها، ربما لتبرير وجودهم، أو للظهور وكأنهم خط الدفاع الأول عن الوطن، بينما هم يوسعون الشروخ، ويعمقون الأزمات، حتي أصبح وجودهم أخطر مؤامرة.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.