.
.
.
.

لعنة في مئوية كوبا أميركا

مراد البرهومي

نشر في: آخر تحديث:

عند الحديث عن بيليه ومارادونا وميسي، فإننا قد لا نضيف أيّ جديد عندما نؤكد أن هذا الثالوث كتب أحرفا من ذهب خلدها التاريخ الكروي، ولن تمحى إنجازاتهم إلى الأبد، هم أساطير الكرة العالمية وعباقرة ولاعبون لا يجود الزمان كثيرا بإنجاب أمثالهم.
عند الحديث عن بيليه ربما تكفي العودة فقط إلى سجله المرصع بثلاث نجمات براقة مع منتخب البرازيل في بطولات كأس العالم للتأكيد على أحقيته بالوجود في الصف الأول لنادي أساطير الكرة، وهو ما ينطبق أيضا على الثنائي الأرجنتيني مارادونا عند استحضار ملحمته الخالدة مع المنتخب الأرجنتيني في مونديال 1986، ثم قيادته نادي نابولي الإيطالي إلى قمة المجد، وميسي الذي بات الآن النجم الأول في هذا الزمان و”أيقونة” برشلونة والعالم بأسره.

ومع ذلك، لنتمهل رويدا ونلقي نظرة عن كثب في بعض تفاصيل ومراحل المسيرة الرياضية لهؤلاء اللاعبين، سنجد بلا شك بعضا من الزوايا المظلمة والانكسارات التي لا يمكن محوها بسهولة مهما كانت قيمة الإنجازات الكبيرة التي تقابلها.

فبقدر ما برع هؤلاء اللاعبون سواء مع منتخبات بلادهم أو أنديتهم وخاصة بيليه ومارادونا المتوّجين ببطولة العالم، بقدر فشلهم الذريع في بطولة “كوبا أميركا” على امتداد تاريخها الطويل ومسابقاتها التي بدأت منذ سنة 1916، فهي المسابقة الأعرق والأقدم على صعيد القارات.

اليوم، ونحن نتابع فعاليات كوبا أميركا في نسختها الخامسة والأربعين التي تحتفي بمئوية هذه البطولة الشهيرة، تعود للأذهان صورة الأرجنتيني مارادونا في منافسات البطولة لسنة 1979، عندما ظهر للعالم بقميص حمل الرقم ستة وليس عشرة الذي تعوّد على تقمصه، ربما هي لعنة رقم ستة التي طاردته حتى في الدورات الموالية التي شارك فيها ضمن منافسات البطولة القارية، ففشل في معانقة اللقب بعد ذلك، رغم أن منتخب بلاده كان المرشح الأول سنة 1987 للظفر به إبان المونديال الخالد سنة 1986.

فشل مارادونا تكرر في الدورة الموالية سنة 1989، ولاح تائها عاجزا عن ترك بصمة واضحة في هذه البطولة التي كانت الأخيرة له في مشاركاته في المسابقة القارية، لكن سبحان مغيّر الأحوال فبعد عام واحد فقط عاد للتألق، وقاد منتخب بلاده إلى نهائي مونديال إيطاليا 1990.

أما بيليه الفذ ولاعب القرن الماضي وصاحب الكؤوس العالمية في ثلاث مناسبات فإنه خرّ مستسلما لمشيئة كوبا أميركا، فهذا اللاعب الرائع لم يقدر على كسب ودّ أميرة القارة اللاتينية في مشاركته الوحيدة سنة 1959، ومن سخرية القدر وعبث هذه البطولة أن بيليه لم يشارك في دوراتها اللاحقة لأسباب تتعلق أساسا باكتفاء منتخب البرازيل بالمشاركة بلاعبين من الصف الثاني، فغاب بيليه وضاع حلم التتويج باللقب القاري.

أما ميسي هذا الفتى "الأعجوبة" فإن "لعنة" عجيبة وخفية أصابته، فبقدر براعته وتألقه وقدرته على التتويج باللقب تلو الآخر مع فريقه الأسباني برشلونة بقدر فشله وعجزه في كل البطولات القوية التي شارك فيها مع منتخب بلاده، ومثل تاريخه في بطولات كأس العالم، فإن تاريخ مشاركاته في كوبا أميركا لم يكن أبدا مزينا بالألقاب والكؤوس.

ميسي شارك في ثلاث بطولات سابقة بداية من دورة 2007، مرورا بدورة 2011، ثم 2015، لكنه لم ينجح ولم يعانق فرحة التتويج بكأس كوبا أميركا ولم يكتب بعد اسمه ضمن المتوجين بالبطولة التي يحتكر منتخب بلاده النصيب الأكبر من ألقابه.

يا لسخرية القدر، ويا لها من لعنة أصابت "البرغوث" الأرجنتيني فأصابته إلى اليوم ولم يقدر على التعافي منها.

الأقسى من ذلك على ميسي أن تاريخ مشاركاته في كوبا أميركا كان عنوان المشاكل والعقبات والأزمات، ففي دورة 2011 التي أقيمت في الأرجنتين خرج نجم برشلونة من هذه البطولة من الباب الضيق وكاد يخسر كل ما بناه في برشلونة، حيث انهالت عليه الانتقادات من كل حدب وصوب بسبب مستواه المهزوز وعجزه التام عن تأكيد مهاراته العالية وموهبته الاستثنائية.

ميسي عاد بعد أربع سنوات وشارك في بطولة العام الماضي في الشيلي بيد أن اللعنة استمرت، فللعام الثاني على التوالي يخسر الفتى الموهوب لقبا دوليا مع منتخب الأرجنتين في الدور النهائي، وبعد الهزيمة في نهائي مونديال 2014 ضد ألمانيا انحنى ميسي وبقية زملائه في منتخب التانغو لمشيئة ركلات الترجيح ضد التشيلي.

اليوم، تبدو للوهلة الأولى الفرصة مواتية أمام ميسي للتكفير عن فشله السابق مع منتخب الأرجنتين، وتنظيم البطولة استثنائيا سنة 2016، أي بعد عام واحد فقط من آخر نسخة احتفاءً بمئوية كوبا أميركا قد يكون فأل خير أمام ميسي ليكسر القاعدة وينهي اللعنة نهائيا، لكن ذلك لن يكون يسيرا بالمرة، ليس بسبب قوة المنافسين فحسب، بل لوجود مؤشرات سلبية قبيل انضمامه لمعسكر منتخب بلاده، والأمر يتعلق هنا بمشاكل تتعلق بالضرائب، وهو ما جعله مضطرا للوقوف بثوب المتهم أمام المحاكم الأسبانية.

وفي المقابل، من يدري، فمن رحم الألم يولد الأمل، وقد يقدر ميسي هذه المرة على كسر القاعدة وينهي اللعنة في مئوية الكوبا أميركا.

*نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.