.
.
.
.

عوائق تجديد الخطاب الدينى

جمال قطب

نشر في: آخر تحديث:

ــ إهمال الأصول القرآنية

لأسباب كثيرة شاع بين المتدينين مقولة «إن علماء القرن الثانى الهجرى وأبرزهم الشافعى رضى الله عنه قد أسسوا علم أصول الفقه»، فكيف عاش المسلمون قبل ذلك دون هذا الذى كتبه الإمام الشافعى فى رسالته التىألفها وهو شاب!! ثم قام بعد ذلك لعشرين سنة فأعمل فيها عقله تعديلا وحذفا وإضافة وتجديدا حتى حفظنا نحن وأهل العلم والفقه معنا أن للشافعى قولين متغايرين فى القديم أو فى الجديد».. وجميع أهل الفقه يتعلمون ذلك وينقلونه، فكيف كان عصر الرسول صلى الله عليه وسلم يرى «اصول الفقه» وبعد الرسول فى تلك السنين الأخيرة.


عاش المسلمون زمن تنزل القرآن على الرسول فى مكة أولا 13 عاما ثم فى المدينة عشرة أعوام لا ينقصهم فقه ولا أصول الفقه، بل إن واقع ذلك العصر الأول يشهد أنهم كانوا أفضل كثيرا من كل ما جاء بعدهم.


وفى ذلك الزمن تولى الوحى السماوى من جهة والبيان النبوى من جهة أخرى تربية وتعليم الناس الأصول القرآنية التى لا يجوز تجاهلها ولا يجوز أن تتعارض الأحكام معها، ولا يصح السلوك البشرى إذا صادم تلك الأصول.. ولشديد الأسف لما بدأ تدوين العلوم، أو اختراع الثقافة المسلمة فى قوالب (علم أصول الفقه/ علم أصول الدين/ علم أصول الحديث/ علوم القرآن) قام المؤلفون باقتطاع الأصنام وصاغوها دون قياسها علما بالقيم القرآنية العامة.


(2)
وأبرز القيم القرآنية العامة قيم «العلم الحرية / الرحمة/ السلام/ التدرج / المسئولية الفردية... إلخ».


والمفهوم من قيمة العلم ليست النصوص التى تحفظ وتراجع، بل المقصود النضج العقلى واليقين المعرفى والدراية العالية بالأصول العامة التى لا تعبر الدنيا ولا تستقيم حياة الناس بغيرها.


كذلك صاغ القرآن الكريم ضوابط «مفهوم العلم».. وأولها أن العلم الحقيقى الثابت هو علم الله «العليم» فهو سبحانه «بكل شىء عليم»، وهو جل جلاله المحيط الخبير السميع والبصير.. ومعنى ذلك لا يتصور أحد أن يحصل على علم نافع دون: الإحاطة الشاملة بالموضوع، والخبرة المتراكمة الموثوق فيها، كذلك فإن أدوات تلقى العلم هى الحواس السليمة، السمع / البصر، كما ذكر القرآن «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون»، النحل آية 78.


ثم يعلمنا القرآن كيف يتم تدقيق العلم والتيقن من صحته ونفعه، فيقول «فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ»، أى ضرورة الرجوع إلى الخبراء المتخصصين فى الموضوع الذى تبحث فيه، فلا تستقى معلوماتك من الهواة ومدعى الثقافة ومروجى الوهم وبائعى الأخبار المكذوبة والمنقوحة والمغشوشة، كذلك يخدم القرآن من التسرع فى تلقى المعلومات والركون إلى الإبهار، ولفت الأنظار بل لابد من التحقق، فيقول: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْع وَالْبَصَر وَالْفُؤَاد كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا».


3ــ
وحينما تتزاحم المعلومات ويتعارض بعضها فلابد من «الشورى» وعدم القبول بالرأى الفرد مهما كان ملكا أو أميرا أو رئيسا أو وزيرا... إلخ، فالشورى فريضة إسلامية على الجميع حتى على رسول الله حيث أمره ربه «وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ» حتى يصل المجتمع أو الباحث لأعلى مصداقية تحقق الخير والصواب.


4ــ
وليست الشورى مجرد حشد للأصحاب أو الأصدقاء أو المشجعين أو أعضاء الحزب بل لابد من دعوة الجميع ليتحقق تنوع المصادر، وتعدد المناهج وتباين الآليات والأدوات فيصدر عن هذا الجمع «الرأى الصائب»، والقرار الحكيم، هكذا يكون القرآن قد حدد أصول العلم فى البحث / التدقيق / التنوع/ الإحاطة / الشورى / عدم الغرور فهل التزم الخطاب الدينى خصوصا فيما ابتدعه من علوم أصول الدين والفقه والحديث وعلوم القرآن فإذا سألنا تلك المدونات أجابت بأنها جهد عقلى ورأى شخصى كثيرا ما يخالف القيم القرآنية.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.