.
.
.
.

عوائق تجديد الخطاب الدينى

جمال قطب

نشر في: آخر تحديث:

توارثت أجيال الأمة بعض ما تركه عصر التدوين من كتب وكتابات هى نتاج أفكار بشرية حاولت تدوين ما لفت نظرهم، أو ما شغل أفكارهم. وكان السابقون رضى الله عنهم يكتبون ذلك على أنه رأى خاص ورؤية شخصية، ولذلك تعددت الحوارات بين هؤلاء وكان ذلك بداية طيبة كما أرادها أصحابها، فقد كتبوا لأنفسهم ولأهل أزمانهم، وحسبهم أن لهم شرف البداية والاستطلاع.

ــ1ــ

لكن مفاجأة لم تكن فى الحسبان قد أحاطت بمؤلفات القوم ومنحتها «قداسة» رفيعة المستوى، إذ جعلوا كلام البشر نصا مقدسا لا يجوز التحاور معه، ولا إعمال العقل معه. فما بالك بالنقد العلمى أو الاختلاف معه؟! هكذا أصبح ما دونه بعضهم تحت مسمى «علوم القرآن»، أصبح علما مقدسا تتوارثه الأجيال على أنه حقائق لها قداسة تشبه قداسة القرآن وليس من حق الأجيل مجرد التفريق بينها وبين الوحى الإلهى فى القرآن، وكأن مؤلفات هؤلاء قدرا مقدورا!

ــ2ــ

وانتهى تراث «علوم القرآن» إلى ما كتبه الزركشى فى كتابه «الرهان»، وأيضا ما سالت به قريحة السيوطى فى كتابه «الإتقان» محاولا تقييم ما ذكره الزركشى، ولكن اتسع الأمر عليه فخاض خوضا عجيبا لا سند له غير «مرويات» وأهمية لم يعبأ بها مدققو الروايات ولم يتوقف عندها علماء الرواية والدراية.. وأعجب ما تراه عندهم مصطلح «علوم القرآن»، فما لاحظوه هم وما شغل فكرهم هم هو علوم القرآن! ومصطلح علوم القرآن مصطلح فخم ضخم يثير فى النفس شغفا، فهل ما كتبه هؤلاء علوم استخرجوها من القرآن حتى ينسبوها إليه؟! أو هى «مرويات» متواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
كذلك فهل هى علوم تساعد المسلم على تذوق القرآن والتفقه فيه؟ أو هى علوم أشار القرآن إليها وشجع القارئ والسامع على ضرورة البحث عنها والاستفادة منها؟!

ــ3ــ

للأسف الشديد فإن «علوم القرآن» مصطلح وضعوا تحته ما لا ضرورة له وما لا دليل عليه، وما لا فائدة فيه.. وأبرز مثال لذلك أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كان يلاحظ فروقا بين آيات القرآن الذى تنزل بمكة وآيات القرآن التى تنزلت بالمدينة. ولعل هذه الملحوظة تعيين الدارس فى كيفية وضع مناهج الدعوة، وكيفية تدرج الخطاب الدينى، وشاع مصطلح «مكى ومدنى»..ورغم عدم الدقة فى بعض الروايات فإن محاولة البحث عن الدلالات فى المكى والمدنى بحث جاد وموضوع له جذور من الحقيقة وله غاية يسعى إليها ووجهة يسير منها.. لكن شيخنا جلال الدين السيوطى صاحب كتاب الإتقان ــ كما ذكر هو ــ أراد أن ينافس الزركشى ويزيد عليه فجمع أقوالا خالية من الفائدة، فارغة من العلم، مخالفة لفقه القرآن، بعيدة كل البعد عن السنة النبوية.. فنقرأ فى كتابه الإتقان فصولا عجيبة وغريبة مثل: ما نزل من القرآن صيفا وما نزل شتاء! وفصل آخر عما نزل من القرآن فى السفر وما نزل فى الحضر!! وفصل ما نزل بالليل وما نزل بالنهار!! وفصل رابع ما نزل فى الأرض وما نزل فى السماء! وفضلا عن تهاوى وسقوط وضعف السند الذى ساقه، فإن كل تلك التقسيمات خالية من أى فائدة، وربما أحدثت خللا فى التلقى والفهم.

ــ4ــ

فمثلا حينما يقرأ الدارس أن هناك آيات بعينها نزلت صيفا وأخرى شتاء فما الفارق بينهما فى القيمة المقدسة أو القيمة التشريعية؟ وهل اقتصر تنزل القرآن على فصلى الصيف والشتاء؟ ولم يتنزل القرآن فى الربيع والخريف؟ ومثل ذلك كثير ذكره السيوطى وتناقلته الأجيال على أنه «علوم القرآن» وهى لا تعبر عن القرآن ومنهجه، ولا عن مكانة القرآن الواجب استقرارها فى النفوس. كذلك فإن الاشتغال بتلك الأقوال صرف أهل القدرة عن أهمية البحث والتفكير فيما حواه القرآن من كنوز.. وجدير بالمؤسسات العريقة مثل «الأزهر» أن تسارع بإعادة النظر فى مسمى «علوم القرآن» فتخرجه من تلك الأغلال والقيود حتى يتحرر الخطاب الدينى ويتخذ طريقه إلى العقول والقلوب.

* نقلا عن "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.