.
.
.
.

محمد على كلاى.. وداعاً

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن محمد على كلاى مجرد بطل رياضى عالمى لكنه كان أسطورة رياضية وأخلاقية وإنسانية وإسلامية، وكان «نسيجاً وحده» يصعب تكراره، وقد لا يجود الزمان بمثله، وظل طوال حياته يبحث عن القيم النبيلة ويحاول جهده اتباعها والعمل بها.

كان كل أبناء جيلى فى غاية الانبهار بـ«كلاى»، كان قدوة وأسوة لنا، كنا نفرح لفرحه وانتصاراته، ونحزن لسجنه أو هزيمته ومرضه، كنا نعتبر أن نصره نصرنا وهزيمته هزيمتنا، كنا نعده واحداً منا.

كم حزن جيلنا على هزيمته فى أواخر السبعينات، كنا نشعر أن اللكمات تسدد إلينا، كم آلمنا قوله: «أصعب معركة لى كانت مع مرض الباركنسون (الشلل الرعاش) هل سأواصل صلاتى؟ هل سأحتفظ بإيمانى، الله يختبر العظماء».

لم نكن نتصور أن تلك القبضة الحديدية التى هزمت أعتى الملاكمين لن تستطيع الحركة بسهولة، وستهتز مراراً وتكراراً مع كل حركة، وأن هذا الوجه الملائكى الجميل سيتحول مع هذا المرض إلى mask face، أى الوجه الذى لا تعبيرات فيه، أنا طبيب وأعرف هذا المرض بل تعمدت أن أدرسه جيداً لأعرف ماذا أصاب هذا العملاق الحكيم الذى قيل له يوماً: بمن تود أن تلتقى؟ فقال: بالنبى محمد (صلى الله عليه وسلم).

لقد عانى «كلاى» منذ نعومة أظفاره من الظلم والعنصرية التى كانت قديماً فى المجتمع الأمريكى ضد السود، وقد ذكر فى سيرته الذاتية التى سماها «روح الفراشة» أنه كان يبكى كل ليلة تقريباً قبل أن يهجع إلى النوم لشعوره الدائم بالإهانة التى يتعرض لها السود فى أمريكا، ولعل هذا الظلم كان سبباً فى بحثه المستمر عن الإسلام كدين يساوى بين الناس جميعاً.

لقد واجه «كلاى» تحديات عظمى حتى حقق أعظم إنجازاته الرياضية بحصوله على بطولة العالم فى الملاكمة ولم يجاوز عمره 22 عاماً، ويهزم أقوى أبطال العالم «ليستون» سنة 1964، وكان يحقق معظم بطولاته بالضربة القاضية التى فاز بها 15 مرة من 19 فوزاً.

وقد انضم كلاى بعد إسلامه إلى جماعة «أمة الإسلام» ولكنه انفصل عنها بعد ذلك لأنه رأى أنها محدودة الأفق فهو يفهم أن الإسلام لا ينتصر لفئة ولا عرق ولا جنس على آخر، ولا يبخس أحداً حقه.

وكان الاختبار الحقيقى لمصداقيته فى نصرة الحق وكراهية الحروب والعنف حينما استدعى للتجنيد والقتال مع الجيش الأمريكى فى فيتنام حيث رفض بإباء وعزيمة لا تلين، ودفع ثمناً غالياً لذلك إذ حُرم من لقب بطل العالم للملاكمة ومُنع عن رخصة الملاكمة وسُجن.

وقد حاولت الحكومة الأمريكية وقتها إغراءه بكل السبل ليعدل عن قراره، فوعدوه بأنه لن يذهب إلى الجبهات الساخنة، وأنه لن يحمل سلاحاً، وأنه سيفيدهم فى الدعاية للحرب لشهرته ولكنه رفض قائلاً: «إن عقيدته الإسلامية لا تنسجم مع هذه الحرب، وإنه لا يستطيع أن يقتل أو يجرح أناساً لا يعرفهم ولم يتسببوا له أو لبلده فى أذى وأن الله لم يأمره بمثل هذه المهام، وإنه لا خصام له مع المقاتلين الفيتناميين وإنهم لم ينادوه يوماً بالزنجى».

ما أروعك وأعظمك أيها البطل فى كل الساحات فها هو يحاسب نفسه دائماً بقوله: «أسأل نفسى قبل النوم دائماً هل سأكون فخوراً بحياتى اليوم إذا لم أستيقظ غداً، إننى أحاول ببساطة أن أجعل الآخرين سعداء وأن أدخل الجنة».

وبعد سنوات قررت أمريكا الانسحاب من فيتنام بعد حمامات دماء لا مثيل لها دون جدوى ولا فائدة.

لقد سخّر كلاى حياته كلها للرسالة الدينية والإنسانية التى آمن بها، وأنفق معظم أمواله على الفقراء والأيتام وتبرع بقصره ليكون مسجداً ومدرسة لتعليم القرآن الكريم، وكان لا يعرف التعصب ولا الأنانية لدين أو عرق، ولما سُئل عن رأيه فى الأديان الأخرى قال: «الأنهار والبحيرات تكون لها أسماء مختلفة وجميعها يحتوى على الحقيقة».

وكان كلاى يرى السعادة كلها فى إسعاد الناس وإضاءة حياتهم، وكان يقول «الديك يصيح فقط حين يرى النور، ضعوه فى غرفة مظلمة فلن يؤذن، أنا أرى النور وأنا أصيح وأؤذن».

وحينما وقعت تفجيرات باريس وبروكسل قال «أنا مسلم ولا يوجد فى الإسلام قتل أناس أبرياء فى باريس أو أى مكان آخر، المسلمون الحقيقيون يعرفون أن العنف الوحشى يتعارض مع مبادئ ديننا».

لقد هزم محمد على كلاى أعظم الملاكمين فى العالم، وكانت ضربة يده الخاطفة تعادل طناً كاملاً، ولكن عظمة كلاى لم تكن فى ضرباته القوية ولا لكماته السريعة ولكن كانت فى نفسه الرحيمة وقلبه الكبير ورحمته التى وسعت الفقراء والمساكين والضعفاء وسمو نفسه عن الدنايا والخطايا وصدق حينما قال: «الأبطال لا يُصنعون فى ساحات التدريب ولكنهم يصنعون من أشياء عميقة فى داخلهم هى الإرادة والحلم والرؤية».

لقد كان كلاى محباً لدينه ونبيه حتى فى حالة تكريمه من أعلى الجهات فى أمريكا، فقد أبى أن يوضع اسمه «محمد» مثل غيره على بلاطه فى الأرض فى أكبر معرض هوليودى لتكريم عظماء العالم تكريماً لاسم النبى «محمد» وصيانة له من الامتهان بأن يدوس الناس عليه، ورضخت لجنة التكريم لرغبته ووضعت بلاطة التكريم باسمه على الجدار، وكل من يراها الآن يعرف سر هذه البلاطة الفريدة المعلقة.

رحم الله محمد على كلاى، وجزاه عن الإسلام ونبيه والفضيلة والإنسانية خيراً.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.