.
.
.
.

الغش والتربية الدينية

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

فى حدود ما أعلم أن درجات مادة «التربية الدينية» لا تضاف إلى المجموع العام، لطلاب الثانوية العامة، ولا أى شهادة أخرى، والمعروف للجميع أن المعلومات الدينية العامة المتاحة لأى مواطن تمكنه من النجاح بسهولة ويسر فى هذه المادة، وما أعرفه كذلك أن هناك درجات رأفة تقدمها وزارة التربية للطلاب وللطالبات لمساعدتهم على النجاح، خاصة فى المواد التى لا تحتسب ضمن المجموع؛ ما أعنيه هنا، إنه ليس هناك مبرر للغش وللسعى إلى تسريب الأسئلة والإجابات النموذجية لهذه المادة تحديدًا، إذ أنه من النادر جدًا أن يرسب فى هذه المادة.

بالتأكيد هناك مفارقة كبرى أن يقع الغش فى مادة «التربية»، «الدينية»، إلى الدرجة التى دفعت وزارة التربية والتعليم إلى الإقدام على إلغاء امتحان تلك المادة الذى جرى صباح الأحد وإعادتها من جديد، الواقعة بذاتها تعنى فشلاً ذريعاً للتربية الدينية، ذلك أن ثقافتنا الدينية تعطى أولوية واهتمامًا كبيرًا لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «من غشنا فليس منا»، أى أن الغش سلوك مرفوض ومدان تماماً بالمعنى الدينى، وهو معيب بالمعنى الأخلاقى، فضلاً عن أنه مجرم بالمعنى القانونى؛ والواضح مما جرى أن التربية الدينية لا تتطرق إلى السلوك العام للطلاب.

إذا كانت التربية الدينية لا تستدعى غشاً ولا تحتاج، فإن ما حدث يدفعنا إلى القول إن «الغش» بات سيكولوجية ثابتة لدى البعض منا، هؤلاء الذين يتصورون الحياة، لا يمكن أن تسير فى طريق مستقيم، وفق قوانين سارية وأخلاق وقيم عامة يجب التمسك بها، وبات البعض يتصالح مع الغش، حتى إن اولئك الذين يقومون بنشر الأسئلة ونماذج الإجابات، وتعهدوا بمواصلة ذلك فى باقى المواد، يطلق عليهم «نشطاء»، بدلاً عن التسمية الحقيقية «غشاشون»، وغير خفى أن مصطلح «نشطاء»، له تداعيات معينة فى الذاكرة المصرية، منذ ثورة 25 يناير، فهل اختلط الأمر، أم أن البعض لا يجد فارقاً بين المصطلحين..؟!.

وسواء قصد من يقفون وراء عمليات الغش أو لم يقصدوا، فإن ما يقومون به لا يهدر النظام التعليمى فقط، لكنه يسقط معنى القانون ذاته، ودور مؤسسات الدولة، التى تقوم على إنفاذ القانون، الذى يحمى الحقوق، حق المجتهد ومن عمل فى أن يحصل على نتاج اجتهاده، ولا يصح أن يحصل من لم يجتهد ومن لم يعمل على ناتج لم يقم به، وعمل لم يؤده، إنه هنا «يسرق» حق غيره وينال شهادة بلا أى أهلية، ومن ثم يهبط تماماً مستوى الكفاءة، باختصار نحن أمام عملية أو محاولة تدمير كامل للدولة وللمجتمع، لذا لم يكن غريباً أن يدين القانون فى كل بلد، وليس فى مصر وحدها، عمليات الغش.

وحتى لا نثقل على أنفسنا، فإن الظاهرة ليست مصرية فقط، الغش الجماعى فى الامتحانات حدث ويحدث كثيراً، منذ فترة قريبة جداً، كانت هناك مشكلة شبيهة فى السودان الشقيق، وكانت فى امتحانات الإعدادية، وسبق أن جرت فى الجزائر الشقيقة عمليات غش، كما وقعت كذلك فى إسرائيل، أكثر من مرة، وحدثت من قبل فى الأردن وكذلك فى العراق، لا يعنى هذا أننى أهون مما جرى أو يجرى عندنا، ولا اعتبره عادياً، ومن يراجع الأرشيف، سوف يجد أنى كنت من أوائل الذين نبهوا فى نهاية الثمانينات عبر سلسلة تحقيقات صحفية لتلك الظاهرة، التى كانت بوادرها ومؤشراتها قيد الظهور، ثم وقعت حالة ضخمة لها فى «أبوحماد» بمحافظة الشرقية، وأكرر كان ذلك فى أواخر الثمانينيات؛ حيث لم تكن هناك مواقع للتواصل.

هذا العام، الأمر جد مختلف، وزارة التربية والتعليم اتخذت إجراءاتها من اللحظة الأولى، حيث تم إلغاء امتحان التربية الدينية، وزادت من إجراءاتها الاحتياطية تجاه باقى مواد الامتحانات، وزارة الداخلية لاحقت من يقفون خلف المواقع التى تقوم بنشر أوراق الأسئلة وإجاباتها، وألقت القبض على اثنين منهما، طبقاً لما أٌعلن، لجنة التعليم بالبرلمان تحركت سريعاً، ودعت وزير التربية والتعليم للاستماع منه حول التفاصيل، ويعتزم البرلمان تشكيل لجنة تقصى حقائق، حول هذا الملف، إذن مؤسسات الدولة أخذت الأمر بالجدية الواجبة، فالأمر لا يتعلق بالعملية التعليمية، ولا يخص وزارة التربية فقط، رغم أنها المعنى الأول بما جرى، لكن الغش يرتبط بأهمية وقيمة سيادة القانون وقاعدة الحق والواجب فى المجتمع، أى العدل والعدالة بين المواطنين.

نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.