.
.
.
.

العراقيون في المركب السكران

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

كان الرئيس الفلسطيني الراحل، يرى دون سواه من الفلسطينيين، ضوءا في نهاية النفق. مات الرجل مسموما، قبل أن يظهر أي أثر لذلك الضوء. لا يزال النفق مظلما، بل هو اليوم أشد ظلمة مما كان عليه قبل سنوات.
ترك نبوءته المتفائلة للأجيال القادمة ورحل. غالبا ما يكون الزعماء متفائلين. ربما لأن التشاؤم يظهرهم على حقيقتهم كائنات ضعيفة فإنهم يقاومونه بالوهم لكي يكونوا أقوياء دائما. على الأقل أمام شعوبهم التي تقف على الحافات. وكم هي نادرة المراحل التي لم تقف فيها الشعوب العربية على الحافات.

كان ميشيل عفلق، وهو مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي، يبدأ خطابه السنوي الذي يلقيه في السابع من أبريل من كل عام مستذكرا يوم تأسيس الحزب بالقول “تمر الأمة العربية بمرحلة هي الأخطر في تاريخها”.

لم يغير الرجل جملته عبر سنوات وجوده لاجئا سوريا في العراق لا لأنه استشعر الخطر الكامن في بنية حزبه، بل لأنه كان يأمـل في أن يكون سباقا في الإشارة إلى الخطر الخارجي الذي يحيق بالأمة.

بالنسبة إليه كان الحزب هو أمل الأمة في نهوضها وضمانة ذلك النهوض. مات عفلق وقد ألحق بالمسلمين من غير أن يدري ولا تزال الأمة تواجه الخطر.

على النقيض من الزعيمين يحضر مقتدى الصدر، وهو زعيم ديني صنعته الصدفة، ليخبرنا أن “الوضع في العراق لا يبشر بخير” جملة تختصر يأسا تاريخيا. وهي لمن يتابع مجريات الوضع العراقي على الأرض نوع من القول البديهي الذي لا يشير إلى ذكاء قائله.

ولكن أن يكون القائل واحدا من المساهمين في صنع حقائق الحياة الراهنة في العراق، فذلك مؤشر على أن العراق لم يعد يملك خيارا سوى الاستمرار في سقوطه إلى قاع هاوية سحيقة، لن يتمكن أحد من انتشاله منها.

لا يحذر الصدر أحدا كما كان عفلق يفعل ولا يوصي أحدا بحمل نبوءته كما كان عرفات يفعل، بل يكتفي بتعليق اعترافه على حبل الغسيل العراقي.

“الوضع لا يبشر بخير” مَن لا يعرف ذلك؟

ما من أحد من المتورطين في صناعة الكارثة العراقية يمكنه أن يزعم أن ديدان الحقل قد أنتجت عسلا.

غير أن العراقيين، وهم شعب يخشى من ضحكته ويشك بديمومة سعادته، لا يثقون باليائسين. يمكنهم أن يمشوا دهرا وراء مَن يكذب عليهم، غير أنهم ينفضّون بسرعة من حول مَن يصدقهم القول.

هل هي حال الشعوب الأخرى؟ لا أدري.

هناك أغنية عراقية تقول “امش وراء الذي يبكيك. لا تمشي وراء الذي يضحكك”. وهي حكمة لم تُقل عبثا.

وكما يبدو فإن زعيم التيار الصدري أراد أن يترك وصية للأجيال العراقية القادمة. في الوقت نفسه أراد أن يغسل يديه من مسـؤولية ما عُلق على حبـل الغسيل العراقي.

ولكن هل قال الرجل جملته لأنه يعرف أن لا أحد ينصت إليه وسط قعقعة سلاح الميليشيات والفوضى التي تعيشها مؤسسات الحكم المتعثرة؟

شيء من هذا القبيل يمكن توقع حدوثه في بلد، لا يملك أحد الدليل القاطع على أن طرفا سياسيا عراقيا بعينه يمسك بيده مفاتيح الحكم. جميع الأطراف تحكم غير أنها في الوقت نفسه لا تحكم. وإلا كيف تأتى لرئيـس البرلمان أن يطالب، كما لو أنه يتسول، بالحفاظ على حياة المدنيين وأمـوالهم وممتلكـاتهم في الفلـوجة المنكـوبة؟

يخيل إلي حين استمع إلى تصريحات السياسيين العراقيين أنهم يستعيدون في لحظة إلهام جماهيري مواقعهم في المعارضة، وينسون أنهم يتربعون على كراسي السلطة منذ زمن طويل.

“الوضع لا يبشر بخير” قالها مقتدى الصدر عابثا وهـو يعرف أن لا أحد يملك سلطة سـؤاله “ألم تكن واحدا من صناع المركب السكران الذي يقل العراقيين إلى الجحيم؟”.

*نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.