.
.
.
.

رؤية خليجية موحدة

محمد العسومي

نشر في: آخر تحديث:

من ضمن الأمور الإيجابية العديدة التي تتمتع بها دول مجلس التعاون الخليجي في تعاملها مع مختلف القضايا والتطورات السريعة، هو ابتعادها عن المزايدات والمشاحنات المضيعة للوقت، حيث تأتي ردود أفعالها على ذلك من خلال خطوات عملية تساهم في تحقيق المزيد من الإنجازات والتكامل بين الاقتصادات الخليجية.

في هذا النطاق، جاء قرار القمة الخليجية التشاورية نهاية شهر مايو الماضي والخاص بإنشاء «هيئة للشؤون الاقتصادية والتنموية»، ليوجه رسالة قوية للمحرضين والمشككين في التعاون الخليجي، وليشكل دعماً نوعياً للتنسيق الاقتصادي بينها.

وهناك العديد من القرارات الاقتصادية والتنموية التي أقرها قادة دول المجلس في اجتماعاتهم السنوية والدورية، إلا أن العديد منها تعرقل تنفيذه لأسباب إدارية لا مبرر لها، فالاتحاد الجمركي المهم لانفتاح الأسواق الخليجية على بعضها البعض ما زالت بعض بنوده معلقة، كما هي بعض بنود السوق الخليجية المشتركة، وكذلك الاتفاق السابق حول ربط عملات دول المجلس كافة بالدولار، وتحركها ضمن هامش ثابت.

الهيئة الجديدة سيكون لها شأن في هذا المجال، إذ عليها أن تقوم بمراجعة شاملة للاتفاقيات الاقتصادية التي أُقرت من قبل القادة، وأن تنظر في المعوقات التي تحول دون تنفيذها، وأن تعمل على إزالة هذه القيود والمعوقات، مما سيشكل نقلة نوعية في التعاون والتكامل الاقتصادي الخليجي، وسيفتح أبواباً واسعة لاستكمال مقومات السوق الخليجية المشتركة.

المساعدة على تنفيذ ذلك يتطلب أيضاً أن تملك هذه «الهيئة» الصلاحيات اللازمة لتمرير قراراتها وتنفيذها، خصوصاً أن بعضها ربما لا يتماشى وبعض الأنظمة والقوانين المحلية، مما يتطلب تعديلها أو إعطاء أولوية التنفيذ للاتفاقيات الخليجية المشتركة، حيث تقدم التجربة الإماراتية مثالاً رائعاً في هذا المجال، مما يعني أن نجاح أعمال هذه «الهيئة» سيتوقف على أمرين مهمين، أولهما تمتعها بصلاحيات تنفيذية وتغيير التشريعات التي تتعارض مع عملها، وثانيهما منح قراراتها أولوية. في هذه الحالة يمكن للهيئة الجديدة أن تكون فعالة وتدفع بالتنسيق والتكامل الاقتصادي الخليجي خطوات للأمام.

بالإضافة إلى ذلك، فإن «الهيئة» بحاجة إلى أدوات تنفيذية ومالية تمكنها ليس من تطبيق القرارات السابقة فحسب، وإنما اتخاذ قرارات جديدة ورفعها لقادة دول المجلس لاعتمادها، كما لا بد لها من امتلاك قوة مالية للإسراع في عملية التنفيذ وعدم الاعتماد على الهيئات التمويلية الأخرى بصورة كاملة.

وفي هذا الصدد، ربما يكون إنشاء «مصرف خليجي لتمويل البنية التحتية» قراراً صائباً سيتيح أداة فعالة بيد الهيئة الجديدة يمكنها من خلاله دراسة وتنفيذ مشاريع حيوية ما زالت دول المجلس في حاجة ماسة إليها، فالبنية التحتية الخليجية بحاجة لدعم إضافي لتدعيم المصالح المشتركة وربط الاقتصاديات الخليجية ببعضها البعض، فبالإضافة إلى الجوانب الاقتصادية والتنموية، فإن تطوير البنية التحتية الخليجية سيكون له انعكاسات إيجابية كبيرة على البيئة واستدامة استخدام الموارد الطبيعية، وتشغيل الأيدي العاملة وربط المصالح.

وبالتالي، فإن القرار الحكيم بإنشاء هذه الهيئة جاء تتويجاً لمستوى التقدم الذي تحقق في العمل الاقتصادي الخليجي المشترك، وهو يؤسس لمرحلة جديدة لهذا التعاون تتطلبه المرحلة الحالية والقادمة من النمو، الذي ستكون له انعكاسات مهمة على مجالات أخرى في ظل أوضاع خطيرة تمر بها المنطقة، والتي تستهدف بصورة خاصة دول المجلس، تلك الدول المضيئة وسط ظلام عربي دامس، إذ لا زالت تحقق إنجازات ونمو اقتصادي واجتماعي رغم انخفاض أسعار النفط ورغم حملات تشويه منسقة تقودها أكثر من جهة، فالحملة الإعلامية الإيرانية تسير بالتزامن مع حملات إعلامية غربية لن تتوقف، إلا بالمزيد من التعاون بين دول المجلس، والرد عليها من خلال قرارات، كقرار هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية، لتبعث برسالة قوية للجميع مفادها أن القافلة تسير غير عابئة بالضجيج من حولها!

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.