كوارث.. ما بين الإفطار والسحور!

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

غذائياً، ما بين الإفطار والسحور يرتكب المصرى جريمة لا تقل عما يرتكبه على مائدة الإفطار.. إذ لا يتوقف المصرى عن إلقاء ما تتصوره.. ولا تتصوره، فى جوفه، وأتذكر هنا مقولة قالها لى أشهر الحكائين، الأستاذ أنيس منصور، يقول لو جئت بوعاء كبير تضع فيه ملعقة مما تضعه فى فمك.. طعاماً أو شراباً.. ثم تقوم بخلط كل ما وضعته فى هذا الوعاء.. تماماً كما تقوم المعدة عمله بنفسها، مع كل ما دفعت، به إليها.. ثم عليك أن تنظر إلى شكل ما فى هذا الوعاء.. وتشم كل هذا الخليط.. هنا يقول أنيس منصور: سوف تكره الطعام والشراب.. وتتحول إلى إنسان نباتى - كما كان - ولا تأكل إلا ما هو ضرورى.. ولذلك كان أفضل ما يأكله أنيس منصور، وقد صحبته فى العديد من رحلاته داخل مصر وخارجها، كان هو الخبز وعسل النحل.. حتى ولو كان أمامنا أفضل أنواع اللحوم.. من لحم النعام وبيضه.. إلى لحم الغزال، ولحم البعير الصغير، وهو أطيب لحم الجمال!! وكان يعشق عسل النحل السدر الجبلى من جبال عسير يوم دعانا الأمير خالد بن فيصل بن عبدالعزيز، عندما كان أميراً لعسير فى عاصمته أبها.. مع الخبز السعودى.
وهنا نتذكر القول الشريف: «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه»!! ونتذكر هنا ماذا يدفع المصرى إلى جوفه ما بين الفطور والسحور، فى رمضان.

البداية مع قمر الدين - وقد يكون المصريون أكثر المسلمين عشقاً لهذا المشروب.. والمصرى يشربه صيفاً، وهو خفيف نوعاً ما، مثلجاً فى الصيف.. أما فى الشتاء والبرد فإننى مازلت أتذكر أمى - عليها رحمة الله - وكانت بارعة فيما تطبخ، كانت شتاءً تجعل من قمر الدين شراباً مكثفاً غليظاً ثقيلاً وتقدمه لنا مع قارب الأرز الأبيض المطبوخ مع كميات كبيرة من الزبيب، وكانت هذه - مع قمر الدين - أفضل وجبة على السحور، شتاءً.

والمصرية برعت فى استخدام قمر الدين.. ويا سلام على مهلبية قمر الدين وكميات الزبيب وعين الجمل والبندق والصنيبر واللوز، وتختلف الكمية من بيت إلى آخر حسب الوضع المالى للأسرة.. وأيضاً تقدم المهلبية ساخنة أو مثلجة حسب وقوع الشهر الكريم، صيفاً أو شتاءً، تماماً مثل مشروب قمر الدين.

ثم الكنافة التى صنعها أهل الشام لمعاوية بن أبى سفيان، ليتحمل صيام رمضان، وكانت محشوة بالمكسرات والفواكه المجففة التى كان يشتهر بها الشام.. أما المصريون فإنهم ملوك حشو الكنافة بالكريمة.. أو الجبنة الحلوة.. ولا مانع من شوية فسدق مبشور على وش الصينية!! وتطورت أنواع الكنافة فوصلنا إلى كنافة بالفواكه، طازجة أو مجففة، حسب المواسم.. فهذا موسم المانجو وهذا الفراولة.. أو الكيوى، أو الكنتالوب.. أو التفاح.. والخوخ والمشمش والكمثرى - شعار أحد أشهر محال الحلويات فى مصر الآن - «لابوار». وأخيراً نجد الآن كنافة بالآيس كريم بكل أنواعه.. والمربى بأنواعها.. ومع الكنافة - بيتى أو جاهزة - لابد من القطايف.. وأيضاً بيتى أو جاهزة، وبكل أنواع الحشو.. ولا ننسى هنا أصابع زينب.. ولا لقمة القاضى مهما اختلفت أسماؤها من بلد مسلم إلى بلد آخر.. فمن هو هذا القاضى، ومن هى زينب؟.. أما الشوام فيطلقون على هذه اللقيمات اسم العوامة.. لأنها لابد أن تغرق فى عسل السكر بمجرد إتمام صنعها.

ثم ندخل إلى مرحلة التسالى.. وقد تقنع الأسرة البسيطة بالفول السودانى «مقشر.. ومن غير قشر»، وهنا فزورة.. أو حزورة!! ولكن وحسب الثراء يكون معها التمور «مصرية من النوبة وأسوان والواحات وسيناء»، وأجنبية من المدينة المنورة، أو من شط العرب فى البصرة، أو من تونس حيث «دجلة نور»، وهو الأفضل فى شمال أفريقيا.. وبعده التمر الجزائرى، وأتذكر تمورنا المصرية الشهيرة: الإبريمى - من قرية وجزيرة إبريم النوبية.. والسكوتى والمالكى.. إلى عين الجمل أيضاً «مقشر ومن غير قشر»!!.. والبندق واللوز وحبات القراصيا المصنوعة من البرقوق الأمريكى، وهو الأفضل، أو من شيلى.. أو حتى تركيا واليونان وقبرص، وزمان كان الزبيب البناتى اليونانى والإيطالى والقبرصى، ثم التركى، ولكن كان هناك زبيب أحمر بالبذور والحبة أيامها كانت بحجم حبة البرقوق السكرى الآن، وليس كما قال نجيب الريحانى فى فيلم لعبة الست.. وكانت أقة الزبيب البناتى بثلاثة قروش ونصف القرش، بينما أقة الزبيب الأحمر بالبذور بثلاثة قروش فقط!! وبالطبع كان منا من يهوى التين المجفف «تركى أو يونانى» والمشمش المجفف فيأكله هكذا.

■ ■ كل ذلك وغيره يدفع به المصرى إلى جوفه، دون أن يرحم معدته التى تعانى فى شهر الصيام أضعاف ما تعانيه فى الشهور العادية، والطريف أن المصرى يعشق المشروبات الصيفية: عرقسوس، تمر هندى، كركديه، سحلب، سوبيا، دوم، والمتاح من عصائر الفواكه طبيعية أو صناعية، أى غنية بالألوان.. دون القيمة، ولكن للمصرى عشقه الخاص: الشاى، والقهوة.. والمياه الغازية وهى شر يعرفه المصرى.. ولكنه يقبل عليها وبشراهة.

■ ■ وبالطبع هناك مشروبات صيفية.. وأخرى شتوية.. لعلها تطفئ عطش الصائم بعد الإفطار.. أو تخفف من شدة مياه الطرشى الحراقة وبالذمة.. هل بعد كل ذلك هناك ما يعذب الصائم.. أو يجد مكاناً - فى المعدة - لطعام السحور؟!..

■ ■ وإذا أردتم المزيد.. تعالوا بكره!!

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.