.
.
.
.

المدمس.. لماذا يعشقه المصرى؟

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

يخطئ من يقول إن الفول المدمس يسبب مرض البلاجرا أو الأنيميا، وربما جاء ذلك إذا أكلت الفول وحده دون أى إضافات، ولذلك تعمد المصرى أن يضيف إلى طبق الفول: الليمون، ليواجه نقص فيتامين «ج» ويضيف الزيت ليواجه نقص الدهون، وكذلك الطحينة وهى غنية بالدهنيات النباتية من السمسم.. وكذلك يضيف الطماطم وفصوص الثوم المفروم مع الكمون على شكل «دقة» أو مقلى فى الزيت.. ويمكن أن يضيف أيضاً «بيضة» محمرة.. أو مسلوقة شرائح.. ويعمد المصرى إلى تناول «فحل البصل» مع طبق الفول ليزيده ثراءً.

والخطأ الشائع يقول إن الفول مجرد وجبة يملأ بها المصرى معدته، ليشبع بأقل التكاليف.. ولكن تعالوا لنا نقول بكل علم إن الفول غنى جداً بالبروتين والأملاح والمعادن بل إنه أكثر غنى من اللحم، ففى الفول ضعف ما فى اللحم من الحديد، وفيه عشرة أمثال ما فى اللحم من الكالسيوم، فإذا كان فى 100 جرام من اللحم 24 ملليجراماً من الماغنسيوم فإن فى نفس الكمية من الفول 187 ملليجراماً، ومن الصوديوم فى اللحم 67 ملليجراماً، بينما فى الفول 245 ملجم، ومن الفوسفور فى اللحم 22 ملجم ولكن فى الفول 236 ملجم، ومن البوتاسيوم فى اللحم 35 ملجم بينما فى نفس الكمية من الفول نجد 1743 ملجم.

والفول غنى بالبروتين والكاربوهيدرات، وإذا كان الحديد المتوفر فى الفول يمد الجسم باحتياجاته وهو الذى يدخل فى تكوين الدم، فإنه غنى أيضاً بالكالسيوم الذى لا غنى عنه فى بناء الغضاريف والأسنان والعظام والأنسجة وليس سراً أن نجد فى الفول النابت من البروتين ضعف ما هو موجود فى اللحم.

وهناك جانب من الصحة فيما يقال عن أثر الفول على قوة الإبصار فالفول فقير فى فيتامين «أ» المقاوم لأمراض الرمد وضعف البصر خصوصاً فى الليل، أى العمى الليلى.. فضلاً عن نقص فيتامين «ج» ولكن براعة المصرى تخطت كل ذلك، بما يضيفه إلى طبق الفول: مدمس، أو نابت بقطرات من الليمون.. وزيت الطعام.. وحتى فى الطعمية يضيف المصرى أنواعاً عديدة من الخضرة: بصل عادى، بصل أخضر، كرفس، كسبرة خضراء وناشفة، وسمسم، وهو ليس للتجميل.. بل لقيمته الغذائية فضلاً عن «زيت القلى»، وكذلك نفس الوضع مع «البصارة» التى حاول اليهود سرقتها والادعاء بأنها اختراع يهودى!! فالمصرى بارع فيما يضيفه على البصارة وهى ليست من الفول المجروش «المدشوش فى المدشة».. بل أيضاً بكميات كبيرة من الخضرة والبقدونس والشبت والكسبرة ناشفة وخضراء وشرائح الثوم والتقلية الشهيرة بالبصل والثوم والكسبرة الجافة.. فضلاً عن السمسم.

وخلاصة القول هنا أن المصرى - على مدى تاريخه - كان يبحث عن الغذاء الرخيص، بعيداً عن التهاب أسعار اللحوم: بيضاء، وحمراء وسمكية، ووجد المصرى ضالته - من حيث تكامل القيمة الغذائية - فى هذا الفول والأهم أنه يحتاج إلى وقت طويل لإتمام عملية الهضم.. وهذا ما يحتاجه المصرى، خصوصاً من يعمل فى الأعمال الشاقة.. حتى يشعر بالشبع لساعات طويلة.

وإذا كانت الست المصرية عرفت طبق الفول بالبيض لتحصل على الوجبة الكاملة فإنها أيضاً أضافت البيض إلى الطعمية، فصنعت طبق عجة الطعمية بالبيض، أو صينية عجة البيض بشرائح البصل والخضرة وبعض الدقيق مع عجينة الطعمية.. مع شرائح الطماطم، وإذا كان المصرى يفضل المدمس التقليدى على الإفطار كفاتح للشهية مثلاً فإنه يفضل - على السحور - الفول المدمس لأنه يستغرق وقتاً طويلاً فى الهضم.

ولهواة صنع المدمس فى البيوت أنصح باختيار الفول الأكثر بياضاً فهو الأفضل، لأن قشرته تكون مقبولة بينما الفولة الحمراء ليست كذلك ولذلك نجد أن الفول البلدى صغير الحجم هو الأفضل وبالذات فول المكامير أى تخزين الفول بمجرد جفافه فى «مكمورة» تحت الأرض ويشترط أن تكون أرض المكمورة.. أرضاً جافة.. ولكننا الآن نستورد 80٪ من الفول من كندا، وأستراليا، وبريطانيا، وربنا يرحم الفول البلدى المصرى.

■■ ومن طقوس المصرى فى تناول المدمس أنه يأكل معه - على الإفطار سلطانية الطرشى - الحراق - ليفتح الشهية، أما إذا تناول المدمس على السحور فإنه يفضله مع طبق السلطة الخضراء.. حتى لا يصيبه العطش، وإذا كان المصرى يعشق الفول والطعمية معاً، إلا أن الوضع مرفوض فى رمضان، فهو يعشق المدمس.. ويرفض الطعمية - حتى ولو لم تكن محشية بالشطة الحراقة والثوم.. والسبب: زيت المقلاية وما يسببه للمعدة من متاعب.. تماماً كما لا يقبل المصرى على الباذنجان المقلى بالخل والثوم والطماطم ولا يفضل المسقعة التى يعشقها كل المصريين، لنفس السبب.

■■ ولكن ما هو الإفطار المفضل.. وكذلك السحور الأسلم، فضلاً عن الكميات ولماذا نقول إن العيش البلدى هو الأفضل مع المدمس: طرى أو مفقع أو محمص.. ولماذا الزبادى والتمر والحليب؟ فإذا أردتم المزيد تعالوا بكرة!! أملاً فى الغذاء الصحى.. واللذيذ فى نفس الوقت.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.