.
.
.
.

صدمة "الصدمة" التلفزيونيّة

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

خبر غير سارّ للعراقيات اللّائي في انتظار فرسان الأحلام. يبدو أن حظوظ البعض منهن ستكون منذ الآن عاثرة أكثر من ذي قبل. وهؤلاء العراقيات يعانين في الأساس من قلّة الطلب في مقابل وفرة العرض بلغة أهل الاقتصاد.

القلّة والوفرة هاتان متأتيتان من النقص في الرجال الذين لم تكفّ طواحين إبادتهم الجماعية عن الدوران لما يزيد على نصف قرن، منذ بدء الحرب ضد الحركة الكرديّة، مروراً بمجازر شباط 1963 وامتداداتها في عقد السبعينيات، ثم حربي إيران والكويت الجهنميّتين، وصولاَ الى الحرب الأهلية الطائفية، الشيعيّة السنيّة، الممتدة ألسنة نيرانها الى المسيحيين والصابئة والإيزيديين وسواهم من المكوّنات، وأخيراً حرب "القاعدة" و"داعش" التي جلبتها لنا أيضاً الأحزاب الطائفيّة، الشيعيّة والسنيّة. وما زاد الطين بلّة، على هذا الصعيد، موجات الهجرة التي دفعت بمئات الآلاف إلى الخارج، معظمهم من الرجال الشباب.

الخطر الجديد الماثل أمام العراقيّات أطلق شرارته برنامج تلفزيوني قدّمته فضائية "MBC" بعنوان "الصدمة" حيث يظهر العراقي، رجلاً وامرأة، شهماً وأخلاقياً لا يقبل بعقوق الوالدين ولا بالتحرّش بالنساء، ومبادراً للمساعدة عند الطلب.

البرنامج عكس عنّا، نحن رجال العراق، صورة زاهية سلبت، في ما يبدو، أفئدة عدد لا يستهان به من نساء العرب، وبخاصة في منطقة الخليج. الإعجاب النسويّ بالعراقيين جسّده "هاشتاغ" بادرت إليه فتيات عربيّات جعلنَ له عنوان "أبي (أريد) أتزوج عراقي" انتشرت تغريداته على نطاق واسع عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".

الصدمة الحقيقية بالنسبة لعامل في حقل الإعلام، مثلي، هو ما تفضحه صدمة MBC. وما تفضحه هو الخراب الشامل للعمل الإعلامي في البلاد. لا أتحدّث عن "إعلام" نظام صدّام الشموليّ الدكتاتوريّ، إنّما عن "إعلام" نظامنا الجديد، الديمقراطيّ التعدديّ الوطني، بحسب ما نزعم.

برنامجٌ مما يعرف بـ "تلفزيون الواقع"، لم يكلّف الكثير ،لأنه اعتمد على إرسال الكاميرات الى الشوارع والأسواق مع عدد محدود من الممثلين .. هذا البرنامج قدّم دعاية إيجابية للعراق والمجتمع العراقي لم ينجح إعلامنا "الوطني"، وبخاصة إعلام الدولة، أو بالأحرى الحكومة، في فعل عُشْر معشارها، بل إنّ إعلامنا كان له دور معاكس تماماً، فهو لم يفتأ يعرضنا في صورة الوحوش الضارية المتناهشة.

منذ 2003 ضربتنا مئات العمليات الإرهابية الشنيعة في عواقبها الإنسانية، ولم تفلح مؤسساتنا الإعلامية، وفي مقدمها شبكة الإعلام العراقي، في تجسيد هذه العواقب في أعمال درامية أو وثائقية يمكن لها أن تهزّ الضمائر فتحرِّض الرأي العام المحلي والعربي ضد الإرهاب ومنظماته. ربما يمكن، بحدود معينة، استثناء أعمال معدودة، بينها مثلاً مسلسل "دولة الخرافة" الذي كان سيكون أكثر تأثيراً لو توفّرت له الإمكانات اللازمة بأموال مستقطعة مما ينهبه فاسدو الشبكة.

لماذا ينجح برنامج تلفزيوني مثل "الصدمة" وتفشل برامج كثيرة أخرى، كبرامج إعلامنا "الوطني"؟

السرُّ يكمن في: الفكرة المبتكرة والمهنية.. نعم هذان هما الشرطان الذهبيان للعمل الإعلامي الناجح، صحفياً كان أم تلفزيونياً أم إذاعياً، وهما ما نفتقدهما في إعلامنا، وبخاصة الحكومي، ناهيك عن الحزبي الرديء والمسيء للغاية، فهو يفضّل العمل من دون إبداع ولا مهنية، على طريقة إعلام النظام السابق الذي كان يركّز على التطبيل والتزمير والمعلومة الكاذبة، أو الناقصة في أفضل الأحوال.

خلف هذا كله، بطبيعة الحال إدارات الإعلام الفاشلة، عديمة الكفاءة والخبرة الغارقة في الفساد، كما هي الحال في سائر مؤسّسات الدولة.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.