العقوبات، أسبابها ونتائجها

مروان اسكندر
مروان اسكندر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

يتساءل القارئ العادي كيف لقوانين تصدر في بلد ما ان تطاول مواطني بلدان أخرى، فالمبدأ ان القوانين تسري ضمن البلدان التي تصدرها وتطاول مواطني البلدان المعنية والمقيمين فيها من جنسيات اخرى وحتى الزوار للسياحة.

العقوبات الاميركية على مناصرين لـ"حزب الله"، مؤسسات وأفراداً وأعضاء ناشطين من الحزب، تبدو مناقضة لقواعد القانون الدولي، لكن الاميركيين يعتبرون ان كل تعامل لأي فريق بعملتهم يستتبع سريان القانون الاميركي عليه، وحيث ان الدولار يشكل نسبة 65 في المئة من مجمل التعامل تجارياً او استثمارياً بين الدول، يمكن القول ان الرقابة الاميركية والعقوبات يمكن فرضها على أي جزئية من التعامل بالدولار. وبات معلوماً منذ زمن ان كل التحويلات بالدولار، أكانت بمئات الدولارات أم بالآلاف أم بالملايين تخضع لمراجعة في مركز عمليات SWIFT الذي هو مركز الكتروني ضخم أسسه الاميركيون في بروكسيل.
يفرض الاميركيون والسلطات النقدية الدولية العقوبات على نشاطات مختلفة، منها تبييض الاموال، والاموال الناتجة من ممارسات جرمية كترويج المخدرات، والاموال المقصود اخفاؤها عن السلطات النقدية في بلدان اصحابها الخ. ومعلوم ان العقوبات على المصارف الدولية والاميركية بلغت خلال السنوات الخمس المنصرمة، مائتي مليار دولار أي ما يوازي 3,5 أضعاف الدخل القومي في لبنان، وقد خضعت للعقوبات، اضافة الى المصارف الاميركية بسبب ممارساتها التمويهية لقيم السندات العقارية، المصارف السويسرية والفرنسية والبريطانية وحتى مصارف عربية ولبنانية. أضف أن مروحة العقوبات وتبريراتها متنوعة وواسعة وتتوسع يوماً بعد يوم. ولا ننسَ مثال البنك اللبناني الكندي الذي فرضت عليه عقوبات مقدارها 100 مليون دولار وقد دمج بالشركة المصرفية العامة SGBL.
بالنسبة الى التشنج الذي تبدى في لبنان منذ بدء تطبيق العقوبات لا بد من ابداء الملاحظات الآتية.
لقد أعلن عن العقوبات قبل نهاية عام 2015 وفي حينه صرح السيد حسن نصرالله بأن الحزب غير معني بها لأن تعامله المصرفي محدود.
ثم عقدت جلسات عدة توضيحية بين حاكم مصرف لبنان ونائبه الاول وممثلين لـ"حزب الله" تخللها شرح أبعاد وشروط العقوبات وضرورة تقيد المصارف اللبنانية بها وكان هنالك تفهم من ممثلي "حزب الله".
وقبل صدور اللائحة بأسماء مائة من زبائن المصارف، أفراداً ومؤسسات ممن تطاولهم شروط العقوبات، صدرت قبل ثلاث سنوات لائحة أطول وأوسع بكثير حظرت التعامل مع مسؤولين سوريين من أهل الحكم ورجال الاعمال المقربين منهم، وتقيّدت بهذه العقوبات سواء من المصارف اللبنانية العاملة في سوريا، أو المصارف اللبنانية في لبنان، او المصارف العربية والاجنبية في مختلف بقاع الأرض، ولم يصدر أي اعتراض لا من الحكم السوري ولا من "حزب الله" المؤيد للحكم السوري بقوة.
المصارف اللبنانية الرئيسية، ومنها 14 مصرفًا تصنف من المصارف التي تزيد أصولها على ملياري دولار، تحتوي على 90 في المئة من الودائع في القطاع المصرفي، وأكثر من نصف هذه الودائع صارت لدى فروع المصارف اللبنانية المشار إليها أو المؤسسات التابعة لها في الخارج. ويمكن القول إن لدى هذه المصارف مؤسسات تابعة في سويسرا وفرنسا وانكلترا والسعودية والاردن وسوريا وتركيا وأوستراليا ونيجيريا الخ وفي كل هذه البلدان تسري العقوبات الاميركية التي لا تقتصر تالياً على الودائع في لبنان.
وظهرت مؤشرات حديثاً لتشجيع المصارف الاوروبية على التعامل مع المصارف الايرانية – وللذكرى نشير الى ان عقوبات أميركية فرضت قبل ثلاث سنوات على أكبر مصرف فرنسي لفتحه اعتمادات لتصدير نفط ايراني الى الهند بلغت 11,5 مليار دولار – كما ظهرت توجهات كهذه بالنسبة الى تعامل المصارف الاميركية مع المصارف الايرانية، وهذا امر لا بد ذلك حيث ان ايران اعتمدت شراء طائرات "بوينغ" بعدد كبير وقيمة العقد المنتظر توقيعه تتجاوز 20 مليار دولار. ولايران حسابات مجمدة في الولايات المتحدة منذ سنوات حين فرضت العقوبات عليها، ومن المؤكد أن الاتفاق على شراء الطائرات هو بداية فك الحظر على تلك الحسابات وهذا امر بالغ الاهمية لان حاجات ايران الانمائية والتطويرية تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً لسنوات عدة. والمشجع الاول لتطوير التعامل مع ايران كان ولا يزال وزير الخارجية الأميركي.
قياساً لهذه التطورات والروية التي تظهر أحياناً في قرارات "حزب الله"، يمكن توقع سريان التفاهم مع سلطات مصرف لبنان والتقيد بالعقوبات الاميركية.
هنا نأتي الى حادث التفجير في شارع فرعي متاخم لمبنى المركز الرئيسي لـ"بنك لبنان والمهجر"، ومن المؤكد في قناعتنا ان هذا العمل بقرار من "حزب الله" وأنه لم يكن نتيجة تشجيع "حزب الله" لاي طرف آخر، ومن المفيد التذكير بحادثين وقعا عامي 1975 و1976.
هاجم مسلحون ينتمون الى ما سمي الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية فرعCitiBank في شارع المصارف وفي حينه تدخل رجال الامن بقوة وكبحوا العدوان على المصرف، وكان الذعر قد اصاب المؤسسات القائمة في ذلك الشارع، وكانت النتيجة انسحاب CitiBank من لبنان، ونقل حسابات زبائنه اللبنانيين الى فرعه في باريس.
الحادث الاخطر حصل عام 1976 عندما هاجمت قوة ضاربة من الفلسطينيين مبنى البنك البريطاني للشرق الاوسط المسمى HSBC حاليًا، وكان المبنى قد أنجز حديثًا بحجر أبيض على كتف شارع المصارف، وقد فجر المهاجمون الصناديق الحديد الخاصة بالزبائن، وكان منهم عدد ملحوظ من المواطنين العرب، بينهم والدة الملك حسين. وقد نشرت جريدة "الصنداي تايمس" بعد سنتين من الحادث تحقيقاً موسعاً عن العملية، أظهر ان المهاجمين الفلسطينيين استطاعوا حيازة أموال نقدية بلغت قيمتها 22 مليون جنيه إسترليني وقد خصصت هذه الاموال لشراء أسلحة للمقاومة من روسيا استعملت لمواجهة اللبنانيين المعارضين للتسلط المسلح الفلسطيني على حياتهم ولم تستعمل لمواجهة الاسرائيليين.

الاعتداء الاخير قد يكون من أي فئة حاقدة على لبنان وأهله واستهداف بنك لبنان والمهجر BLOM كان عن قصد لان هذا المصرف يحقق منذ سنوات أفضل معدلات الربحية وضبط التكاليف وتأمين السيولة والانتشار الدولي.

القطاع المصرفي هو من القطاعات الاكثر حداثة وتنوعاً في لبنان، وقد حضر في عدد كبير من بلدان العالم حتى بلغ أوستراليا ونيجيريا، اضافة الى مراكز المال الرئيسية في العالم والاسواق العربية، ومن اسباب نجاح هذا القطاع مقدار الاحتراز الذي فرضته تعاميم مصرف لبنان، وكانت بالفعل استباقية. فعلى سبيل المثال، بنك التسويات الدولية في بازل - الذي هو بمثابة النادي الاوسع للمصارف المركزية عالميًا – فرض زيادة معدلات السيولة قياساً بالتزامات المصارف الى 12 في المئة قبل عام 2015 و15 في المئة عام 2015، وقد عجزت المصارف الاوروبية عن التزام هذه الحدود فاتخذ بنك التسويات الدولية قراراً بتأجيل شروط السيولة والاموال الخاصة حتى 2019. وفي المقابل، حققت المصارف اللبنانية الرئيسية شروط الـ12 في المئة والكثير من المصارف الرئيسية حقق نسبة الـ15 في المئة!

خلال اجتماع لي مع حاكم مصرف لبنان قبل سنة واكثر سألته لماذا فرض التزام الحدود القصوى للاحتراز على المصارف اللبنانية بينما هنالك تراخٍ حيال المصارف الاوروبية، فأجابني: علينا كبلد صغير يسعى الى تعزيز مكانته المصرفية اقليمياً ودولياً اعتماد القواعد الفضلى في كل حين، وهو عمل على ذلك منذ سنوات ولا يزال. والحفاظ على القطاع يعني الحفاظ على القليل المتبقي من حيوية الاقتصاد اللبناني.

نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط