.
.
.
.

زيارة ضرورية إلى مبارك

طارق حسن

نشر في: آخر تحديث:

ما الذى تبقى لنا، ولم نفعله مع الرئيس مبارك؟ أقصد تحديدا، ماالذى ينبغى على الدولة القيام به مع مبارك؟

نحتاج من مبارك ذاكرتنا الوطنية. حكمنا ٣٠ سنة. نريد أن نعرف منه مباشرة كيف حكمنا طوال هذه السنوات. كيف تناول قضايانا الداخلية والخارجية. كيف أدار المشاكل، التى واجهته. ماذا قيل له، وماذا قال، وعلى أى أساس بنى تقديراته وأخذ قرارته. كيف تصرف فى شؤوننا المختلفة، وكيف قاد دولتنا كل هذه المدة؟

ثلاثون عاما، ليست بالشىء القليل فى حياة أمة وبلد. نريد تأريخا موثقا، لا روايات منقولة، أو مذكرات وشهادات شخصية جزئية وتقويمات سياسية، هى بطبعها منحازة.

عمل من هذا القبيل من اختصاص الدولة. عمل يستوجب أن تبادر الدولة بإنشاء مؤسسة ذات صلاحية من تخصصات علمية مختلفة، يتقدمها مؤرخون. يفحصون السجلات. يطابقونها بالأقوال. مؤسسة تصفى كل ما لدى مبارك من معلومات ووقائع تخصنا. تدقق فى الأحداث والروايات وأى صغيرة وكبيرة. وتخرج لنا بما هو تأريخ موثق لكل ماجرى.

فرصة أن مبارك مازال بيننا. الحمد لله أنه حى. لم تكن لنا فرصة مماثلة مع عبدالناصر ولا السادات. مات الأول، واغتيل الثانى، دون أن نوثق منهما، ومعهما، مراحل مهمة من حياة البلد.

أعلم جيدا أن هناك سجلات، ومحاضر، ومراسلات، وقرارات تخص كل رئيس، وربما كل مسؤول، لكن تاريخنا ينقصه الشهادات المباشرة من الرؤساء. مازالت الروايات مختلفة، وربما متعارضة ومتصادمة حول حكم عبدالناصر

والسادات ومبارك وماقبلهم.

أتذكر، وربما تتذكر أيضا، أن الرئيس الراحل أنور السادات أصدر قرارا بتشيكل لجنة لإعادة كتابة التاريخ. كانت برئاسة المرحوم الدكتور عبدالعظيم رمضان. لكنه كان عملا مؤقتا عاش برئيس ومات بموت رئيس. بينما ظلت التقويمات السياسية تطغى على التوثيق التاريخى لذاكرتنا الوطنية. وظل الاعتبار السياسى حاكما على مستوى النظر لمرحلة هذا الرئيس أو ذاك. وبما يطمر كل مرحلة لحساب أخرى.

الشهادات المباشره حتى الشفوية منها ضرورة للتوثيق التاريخى، ولفهم مايجرى، وماجرى. ولتكوين خبرات رجال الدولة وعقل الدولة.

فى أمريكا على سبيل المثال، يوجد سجل شفوى فى مركز التاريخ الدبلوماسى بالخارجية الأمريكية. كل من شغل موقعا أو تولى منصبا سياسيا أو دبلوماسيا أو قنصليا فى الخارجية الأمريكية يتعين عليه بمجرد انتهاء مهمته الإدلاء بإفادات شفوية كاملة، وفق دليل إرشادى معتمد ومقنن، يستهدف تسجيل حصيلة التجربة والدروس المستفادة من المهام والمأموريات المختلفة. رصيد هائل وثمين من الخبرة المتراكمة بتواصل أجيال الدبلوماسيين. مرجع لاغنى عنه لكل من يأتى بعد ذلك ويعمل أو يتولى منصبا ومسؤولية.

ما أحوجنا إلى مؤسسة من هذا النوع لتسجيل عمل كل رئيس أو مسؤول فى الدولة. لنبدأ مع مبارك. فعلنا معه ما فعلنا إنما لم نأخذ منه ماهو أجدى وماهو مستحق. تاريخنا وذاكرتنا الوطنية.

قد تقول أو قد تتساءل: ولم لايكتب مبارك مذكراته، كما فعل رؤساء عاصرناهم فى دنيا العالم. أقول لك: هذا ليس كافيا للتأريخ، وإن ظل جزءا تتناوله عملية التأريخ، وأن رئيسا عربيا حاليا كتب مذكراته عن حدث ضخم قد صنعه فى بلاده قبل أن يكون رئيسا، لكن ماسطره خضع لحذف وتعديلات كثيرة قبل صدوره فى كتاب ربما قرأته أو تحتفظ به فى مكتبتك.

قد تكتفى بمذكرات كتبها مسؤولون عملوا مع مبارك، أو أحاديث صرح بها هذا الوزير أو ذاك بعد رحيل مبارك. إنما كل هذا ليس كافيا، يؤخذ بِه كواحد من المصادر التى تخضع للفحص والتدقيق، ويؤخذ فى الاعتبار أيضا صدوره وفق مواءمات تحكم أى عمل من هذا النوع، وأنه ليس المصدر الوحيد.

التأريخ يحتاج إلى مؤسسة علمية، يقوم عليها متخصصون يؤرخون بقواعد العلم المتجردة. فلم لاتكون لدينا مثل هذه المؤسسة، التى تسجل وتؤرخ عمل رجال ومؤسسات الدولة وتحفظ ذاكرتنا الوطنية. ولم لاتبدأ عملها بمبارك؟

والله فرصة ثمينة. بل نادرة، فقد اعتدنا قبل مبارك ألايحيا بيننا رئيس بعد رحليه عن منصبه.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.