.
.
.
.

الزعيم والأسطورة

طارق الشناوي

نشر في: آخر تحديث:

بين عادل إمام ومحمد رمضان زمن يقترب من نصف قرن، رمضان لم يبلغ الثلاثين وعادل تجاوز الـ75، عادل صاحب تاريخ غنى وثرى ومرصع بعشرات من النجاحات ويكفيه أنه ظل على القمة الرقمية طوال هذه السنوات التى تصل لأربعة عقود من الزمان، وهو إنجاز لو تعلمون عظيم ليس فقط عربيا ولكن عالميا، نعم نختلف كثيرا على اختياراته الفنية التى تخلو من روح المغامرة، ومواقفه السياسية التى لا تراهن سوى على تأييد الحاكم، إلا أن مساحة عادل فى القلوب لا أحد من الممكن أن يختلف عليها. على الجانب الآخر وبالقياس لايزال رمضان فى «كى جى وان» فن، على اعتبار أن عادل حصل على الدكتوراة.

إلا أن هناك نقاط تلاق فرضها وجودهما معا، ما يجمع بينهما أن كلا منهما يقف منفردا فى العمل الدرامى، فهو يملك مظلة جماهيرية وتسويقية تكفى لتنفيذ أى مشروع واختيار كل العناصر، فجأة وجدناهما يطلان معا من نفس القناة «إم بى سى». كان قد تردد أن هناك صراعا حادا على توقيت العرض، وأن رمضان سيسبق عادل زمنيا، ثم تم الحسم فى النهاية لصالح عادل، كما أن الإعلانات مالت أكثر فى نهاية الأمر لكفة عادل.

الأرقام ستجدها تؤكد أن رمضان يحل ثانيا بعد عادل، وهكذا يصل عادل إلى 45 مليون جنيه ورمضان 30، رقم عادل تراكمى تدخل فيه بالطبع نجاحاته المتعددة فى مختلف المجالات، بينما رمضان قفز للرقم فى ثانى مسلسل بطولة بعد «ابن حلال». رمضان يلعب بمفردات تصنع بينه والجمهور قدرا من التواصل السحرى لتصنع منه ملامح النجم الشعبى الذى يتماهى معه الجمهور، وأظن أن الذقن الذى ظهر به فى المسلسل سيتحول إلى موضة بين الشباب، بينما عادل بلا منازع هو صانع البهجة الأول. لم يحصل عادل على لقب «الزعيم» ببساطة كان يتنقل من خلال أفلامه ومسرحياته إلى العديد من الأسماء التى من الممكن أن تُصبح ألقابا، حتى جاء ت مسرحية «الزعيم»بعد «الواد سيد الشغال»، فتشبث عادل بلقب الزعيم، شعر أنه يضعه فى مكانة استثنائية بين زملائه، وظلت الصحافة على مدى يتجاوز 20 عاما تقرن عادل بالزعيم، وهو سعيد بأن يصاحبه اللقب، مثلما حظى فريد شوقى فى الماضى بلقب «الملك».

يبدو أن اختيارات رمضان على المقابل لعناوين أعماله التليفزيونية ليست عشوائية، فهو أيضا يبحث عن لقب، قبل عامين قدم «ابن حلال» وأدى دور حبيشة وهذا العام «الأسطورة»، الأمر أراه مقصودا، عندما تعلم أننا نعيش فى ظل قانون يجعل العصمة بيد النجوم، وسوف يسعى لتكراره ليلتصق به كلقب.

عادل إمام يسبق اسم المسلسل «مأمون وشركاه»، ويعقبه حرف الجر «فى»، بينما رمضان قرر أن يجعل اسمه يكتب مرتين فهو يؤدى دورى رفاعى وناصر قبل «فى». البضاعة التى يقدمها رمضان لم تتغير، يُقتل شقيقه رفاعى قبل نهاية الثلث الأول من الحلقات ويكمل ناصر بمفرده المسيرة لتصبح ناره نارين وثأره ثأرين، لجأ رمضان إلى تقديم لزمات حركية ووضع ذقن لرفاعى وباروكة لناصر، إلا أن الأمر لم يتجاوز فقط الخارج، ولم يصل إلى الإحساس، فهو يكرر المقرر الدرامى الذى ينتظره منه الجمهور.

عادل يقدم لجمهوره بضاعة درامية معلبة لأن هناك من يستعد للضحك حتى لو وصل الأمر للسادية فى عدد الصفعات التى ينهال بها مثلا على خد خالد سرحان الذى يؤدى دور ابنه، فى الأسبوع الأول كان عادل يغيب كثيرا عن الشاشة، بينما فى الحلقات التالية بدأ حضوره أكثر، هناك حالة من الاستسهال فى بناء السيناريو والإخراج، ولكن يجب أن نضع فى الحسبان أن هذا هو بالضبط ما يريده عادل، فهو يقترب دراميا وبحذر من تعدد الأديان من خلال أبناء عادل الذين يتزوجون من أديان مختلفة، بالإضافة إلى ابنة جاره مصطفى فهمى التى تقع مرتين حتى الآن فى حب شاب مسيحى.

عادل لديه فريق ثابت، مكون من الكاتب يوسف معاطى والمخرج رامى إمام، بينما لا يستقر رمضان على كاتب ولا مخرج، فهو تقريبا يقدم شخصية واحدة، تبحث عن الانتقام، والمتفرج دائما متعاطف معها لأن لديه هو أيضا من يريد الانتقام منه.

ستجد أغلب الكتابات النقدية وأنا منهم تميل أكثر للإشادة بمسلسلات مثل «أفراح القبة» و«جراند أوتيل» و«ونوس»، بينما الجمهور يتدافع أكثر إلى «مأمون وشركاه» و«الأسطورة»، المزاج الشعبى بالمناسبة يجب احترامه ودراسته ولا يمكن التعالى عليه.

الأمر ليس متعلقا بتقديم تيمة درامية لرجل بخيل خفيف الظل مع عادل إمام، ولا لرجل شهم وجدع مع محمد رمضان، فلو استبدلت النجمين بآخرين لن تجد للمسلسلين أى مردود جماهيرى، الأمر هنا له علاقة بالقدرة على التواصل الجماهيرى، وهى حالة من التلاقى بين النجم والجمهور تتجاوز التقييم الموضوعى لأداء الممثل وقيمة العمل الفنى، إنها تلك «الكاريزما» والتى تعنى القدرة اللامحدودة على الجذب.

مشروع توريث النجومية فشل تماما، والدليل هو محمد رمضان، إنه النجم الوحيد فى جيله الذى له شباك تذاكر واضح وكثافة مشاهدة عالية فى التليفزيون، بينما لم يستطع ابنى أكبر نجمين فى مصر، محمد عادل إمام وكريم محمود عبدالعزيز تحقيق شباك ولا كثافة مشاهدة تليفزيونية.

بقاء عادل إمام على القمة جعله يراهن دائما على أن يحيط نفسه بالوجوه الجديدة حتى يستمر على الموجة مع جمهور زمن «الروشنة»، بينما رمضان يتمسك بدور ابن البلد. عادل سيردد له الناس عددا من قفشاته فى المسلسل، ربما كان نصيب رمضان أكبر مع أصحاب «التكاتك» الذين يكتبون على عرباتهم الصغيرة كلماته حتى قبل أن ينتصف رمضان «اللى يعاكس المدام / يبقى حكم على نفسه بالإعدام».

هناك نغمات درامية شعبية ونجوم يحققون تماسا استثنائيا، عادل ورمضان يقدمان تلك النغمات ولديهما هذا التماس السحرى، صحيح أنه لا مقارنة نظريا بينهما، ولكن هكذا وضعتهما الدراما فى مواجهة حتمية بين زعيم له مشوار من النجومية المطلقة تتجاوز 40 عاما، وأسطورة يسعى حسيسا للعثور على مكان ومكانة ولقب!!.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.