لماذا تدعم روسيا اليمين المتطرِّف في أوروبا؟

جهاد الزين
جهاد الزين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

بين المعلومات اللافتة التي تمر وكأنه مسلّمٌ بها في بعض تقارير مراكز أبحاث أميركية ومنها تقرير صدر مؤخراً عن "مركز الأمن الأميركي الجديد" (CNAS)، وهو مركز معروف وذو تأثير، أن روسيا تموِّل عدداً من أحزاب أقصى اليمين في أوروبا.

ومع أن التقرير المشار اليه (أيار- حزيران) لا يدور حول هذا الموضوع وحده بل يمرّ عليه عرضا في سياق الحديث عن خيارات السياسة الأميركية في أوروبا، فالمعلومة التي تأتي في تقرير هو حصيلة معلومات وتحاليل خبراء وديبلوماسيين سابقين كبار هي عدا جدِّيتها تستحق التوقف. وقبل أشهر تحرّك بعض نواب وشيوخ الكونغرس مطالبين الحكومة بفتح تحقيق مخابراتي حول الموضوع.

السؤال، سؤال أسباب الدعم الروسي لأحزاب اليمين المتطرف أو "اليمين القومي" ليس جديدا. فعدد بارز من قادة هذا اليمين يبدون إعجابا معلَنا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين كقائد وطني مخلص في مكافحة الإسلام المتطرّف في أوروبا. من أهم هؤلاء زعيم "حزب الاستقلال" البريطاني نيجل فاراج وزعيمة "الجبهة الوطنية" الفرنسية مارين لوبن التي حصل حزبها، حسب مجلة "فورين بوليسي" في 23 -2-2016 على قرض من 9,4 ملايين اورو من "مصرف تملكه روسيا"، وغابور فونا زعيم حزب "جوبيك" الهنغاري. حتى في ألمانيا فإن "النازيين الجدد" ليسوا بعيدين عن التأثّر بالخطاب الروسي البوتيني.

الذي يعيد تسليط الضوء على هذا الموضوع هو الحدث الدراماتيكي الذي تجسّد بصدمة اغتيال النائبة العمّالية البريطانية الأسبوع الماضي، ليس من زاوية اتهام الحزب اليميني البريطاني المتطرف، فالأمر غير مطروح مطلقا من الناحية الجنائية ولم تصدر أية إشارة بذلك ولو عابرة، لكنْ في هذه الحالة فإن دور اليمين المتطرف سيُطرح من الزاوية السياسية "التحريضية" على العنف من خلال كل المستقبل الأوروبي وبصورةٍ خاصةٍ بعد ما يمكن أن يُسْفر عنه الاستفتاء على خروج أو بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
من الملفت أن الصحافة البريطانية، ولا سيما "الغارديان" و"الاندبندنت"، كانت سباقة بين الصحف الأوروبية إلى طرح مسألة العلاقة بين أحزاب اليمين المتطرف وروسيا في أوروبا منذ العام 2014 ونشرت تقارير عن احتمالات التمويل والتنسيق بين بعضها وموسكو.
الواقع أن شبهة الدعم الروسي لأحزاب اليمين المتطرف لا تقارَن سوى بشبهة الدعم الأوروبي والأميركي والتركي ( السابق؟) لتيارات الإسلام التكفيري في الحرب السورية وفي بعض دول الانهيارات العربية. مع كل الأمل بأن جرائم الإسلاميين الجهاديين داخل أوروبا الغربية والولايات المتحدة قد تُغيِّر جذريا هذا الوضع في الشرق الأوسط؟؟

مُحرّمتان، على الأقل بالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين الذي ربما لم يجد وسيلةً لزيادة ضغطه على التحالف الأوروبي الأميركي الهجومي ضد روسيا انطلاقا من أوكرانيا سوى دعم تيارات اليمين المتطرف في الاتحاد الأوروبي خصوصا أن بوتين لا يملك خيارا في مواجهة الإسلام المتشدد سوى المواجهة "تحت الزنّار" بسبب نشاط وتأثير الإسلام السياسي في الوضع الداخلي الروسي ولاسيما في القوقاز، إضافةً طبعا إلى الوضعين السوري والعراقي. وهو نشاط قد يكون أكثر إذية من دعم أوروبا للمنظمات غير الحكومية المعارضة للحكم والمدافعة عن تعزيز المعايير الديموقراطية.

مُحرّمَتان عملياً تتواجهان إعلامياً والأرجح استراتيجياً. ففي أوراق الصراع الغربي الروسي عناصر مثيرة جيوبوليتيكيّة واقتصادية ولكن في الضغط الداخلي فإن المحرّمتين المتضادتين تمثلان مستوى الضرب تحت الحزام قياسا بالأوراق الأخرى. مع فارق جوهري يجب أخذه بالاعتبار هو أن أحزاب اليمين المتطرف الأوروبي لم تلجأ بعد للعنف المنظّم بينما الإسلاميون متورِّطون به حتى النخاع. طبعا حالات العنف المتوحش من المتطرفين ثبت أنها فردية في بعض المجازر التي حصلت.

لم يثبت حتى اليوم، ولن يظهر على الأرجح أي عنف خطير منظّم لحركات اليمين الأوروبي المتطرف ولكن موطئ القدم الروسية داخل أوروبا ليس قليل التأثير خصوصا أمام فكّيْ كماشة معادلة: تفاقم تدفّق اللاجئين - صعود اليمين المتطرف التي تبدو حاليا وكأنها تُطْبِق على الاتحاد الأوروبي وتزيد الصراخ الانفصالي فيه.

تبقى ملاحظة أخيرة لا يجب الكف عن تكرارها بالنسبة لنا في الشرق الأوسط: من كان يتصوّر قبل الأزمة السورية أن يتحوّل الانهيار السوري إلى مسألة داخلية بنيوية أوروبية كأنما، وهذا للتكرار أيضاً، "ولاية سوريا" هي التي تنهار في الامبراطورية الرومانية.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.