.
.
.
.

مصر تستطيع ولكن!!

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

استمراراً للحوار التليفونى مع عميد أسرة البترول المصرية، الكيميائى عبدالهادى قنديل، أروى اليوم - على لسان الوزير الأشهر للبترول - حكاية تؤكد أن مصر تستطيع عمل المستحيل.. وبأقل التكاليف المادية.. وأن تضيف فى أصعب القضايا، حتى ولو كانت علمية أكاديمية.. أو عملية فنية.. تلك هى قصة إنشاء أول شركة طيران لخدمة قطاع البترول.. وكان ذلك منذ 35 عاماً.

كان عبدالهادى قنديل وقتها رئيساً للهيئة العامة للبترول، وكان الوزير هو المهندس أحمد عزالدين هلال، والذى ظل وزيراً لبترول مصر منذ أيام حكومة السادات الأولى فى مارس 73، والتى تولت إعداد الدولة للحرب، إلى حكومة السادات الثالثة «مايو 1980»، وكان فيها هلال نائباً لرئيس الوزراء.. ووزيراً للبترول، وكانت هناك شركة أجنبية تتولى تقديم خدماتها الجوية لقطاع البترول هى «برنستو».

وسأل الكيميائى قنديل نفسه: لماذا لا تكون لمصر شركتها الخاصة؟ واتصل على الفور بالوزير هلال وأقنعه بذلك لنوفر لمصر شركة مصرية تخدم القطاع.. وجاءت الفكرة عندما كان قنديل بك يستقل طائرة خدمات جوية من المتعاقدة مع مصر.. ولاحظ قنديل تسرباً بترولياً من جناح الطائرة فأمر قائدها بالهبوط، وكان هناك عميد طيار قد انضم للعمل فى شركة سوكو - بعد إصابته - ودرس حتى حصل على بكالوريوس تجارة.. واتصل به قنديل بك، واسمه أمير رياض.. وطلب منه أن يكوِّن فريقاً لإنشاء أول شركة وطنية لخدمات البترول، وأعد الكابتن أمير دراسة تقول إنه يحتاج إلى 10 ملايين دولار، وبحثنا عن شريك أجنبى «فى البداية»، وأعطى الرئيس السادات توجيهاً للمهندس هلال بالاتفاق مع نائب رئيس الجمهورية، «الفريق» حسنى مبارك.. ومع الفريق أبوغزالة - وزير الدفاع - تم الاتفاق على نوعية الطائرات المطلوبة للشركة الجديدة، بحيث تصلح للخدمة فى المجالين المدنى والحربى!! وتم شراء 18 طائرة من طراز أجوستا من إيطاليا.. واتفق قنديل بك على أن تحل الشركة الوليدة - المصرية - محل كل شركة خدمات جوية أجنبية، وكانت البداية بشراء ثلاث طائرات برأسمال 10 ملايين، ودفعنا سبعة ملايين ونصف المليون دولار.. ودفع الشريك الأجنبى الباقى.

وحصلنا على أول طائرة يقودها طيارون مصريون وركبها قنديل بك فى أولى رحلاتها إلى حقول بلاعيم، لأن أكبر اسم مصرى فى الشركة وقتها خاف أن يركبها.. فأرغمته على ركوبها معى!! وعندما حان موعد انتهاء عقد شركة جابكو مع الخدمات الجوية الأجنبية تعاقدنا على 8 طائرات، منها طائرتان بالمحركات، لنحل محل الأجانب.. ووضع الكابتن الممتاز أمير رياض بنداً جديداً يسمح له بالتعاقد على طائرات الجناح الثابت.

وحققنا معجزة.. كيف لشركة كل رأس مالها 10 ملايين دولار أن تربح 19 مليون دولار فى السنة.. ودون تغيير أسعار؟!.. ثم قررنا أن نسمح لطائرات الشركة المصرية بأن تعمل ليلاً، وبدلاً من رحلتين فى اليوم الواحد أصبحت الطائرة تعمل أربع رحلات يومياً.. والمناسبة إضاءة مهبط الطائرات فى حقول الصحراء الغربية.. بالغاز!! وذلك لخدمة حقول عجيبة وخالدة.. وركب قنديل بك كالعادة أول رحلة ليلية إلى هذه الصحراء الغربية.

■ ■ الآن تمتلك هذه الشركة الوطنية طائرات نفاثة.. وتوسعت عملياتها، حتى إنها امتدت خدماتها إلى تأجير طائراتها لمن يطلبها.. للطيران المدنى.

تلك كانت البداية.. التى تؤكد أن «المصرى يستطيع»، وأنه ينفذ المستحيل.. بشرط: توفر الإدارة الجيدة.. ذات الطموح القومى.. وتوفر الإرادة عند متخذ القرار.. وأن يحصل المصرى على حقه العادل فى الأجر.. فمادام يعطى أفضل ما عنده يجب ألا تخذله الإدارة.. وعليها أن تعطيه أفضل الأجور والحوافز والبدلات.

■ ■ بشرط أساسى هو التدريب الجيد.. داخل وخارج مصر.. لأن العقل المصرى قادر على الاستيعاب الجيد.. بل والممتاز.. وبهذه الروح نجح قطاع البترول واستطاع الاستغناء عن الخبرات الأجنبية، حتى فى خدمات الطيران البترولى من طائرات الهليكوبتر ذات المقعدين، التى تهبط فوق منصات الآبار للإنقاذ أو لنقل الفنيين.. إلى أكبر طرازات الهليكوبتر.

■ ■ وأصبحت مصر تمتلك مدرسة مصرية وطنية خالصة.. إذا خلصت النوايا.. وإذا بعدنا عن الشللية فى اختيار القيادات.

وهذا هو الدرس الأكبر الذى استفاد منه قطاع البترول.. أيامها.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.