النفوس المتوحشة!
هنالك حالٌ من الجلافة في التعامل بين الناس في المجتمعات العربية، وكأن الأفراد في خصام أو حرب مع بعضهم البعض.
هذا النمط من السلوك، يمكن تصنيفه بأنه موقف "عدواني" ينطوي على كراهية تجاه الآخر؛ لأن الصلف في التعاطي مع المحيط، وتمني الشر له، والبوار، ليست نوايا طيبة تعبر عن رغبة في حياة طبيعية وشراكة مستدامة مع الآخرين الذين نقتسم الجغرافيا والمصير معهم.
ما يفسر هذا القسوة ضد الآخر، هو ما نرسمه في أذهاننا من صورة قاتمة ضد المختلف عنا، بوصفه منافسا، بل نقيضا وجوديا لنا، وعليه فإن صون ذواتنا لا يتحقق إلا بهتك الذوات المقابلة، ومحاولة إضعافها وسلبها أي قدرة على التأثير.
ما يرسخ الصورة السلبية هذه، ويحولها لما يشبه الحقائق الثابتة، هو الخطاب السياسي والديني المجتمعي السائد، والذي في كثير منه يقوم على عصبوية مقيتة ضد الآخر؛ حيث السياسي يستخدم الدين لتحقيق مصالحه، ورجل الدين يتوسل السياسة للوصول لمبتغاه، وهنا نقع في إشكالية عميقة، مردها هذا "الزواج المدنس" بين الزمني والأخروي.
وسط هذا كله يأتي الصراع المسلح في ليبيا وسورية والعراق.. وسواها من الدول العربية التي تعيش أزمات أمنية وسياسية بشكل يومي، الأمر الذي يمنح "الآخر" صورة "الشيطان" الذي لا ينبغي الاحتراز منه وحسب، بل لجمه وقتله!.
"إن إبراز الآخر كعدو لنا، تلك لعبة جد سهلة للمزح عوض الحوار"، كما يرى الفيلسوف تشارلز تايلور، والذي يضيف "تتعقد حرب الحضارات هذه، لأنه يتم اقناع الناس من هذا الطرف وذاك بأن كل الآخرين ضدنا، وبأنه لا يوجد شخص في الضفة الأخرى يمكن التخاطب والحوار معه".
تايلور في نصه السابق، يشير بوضوح إلى الخديعة التي يمارسها المنتفعون من استمرار الصراع، والذين لا يرغبون في إيجاد حلول فعلية وحقيقية للنزاعات القائمة. لذا، يتم التعامل مع "الحوار" بوصفه خيارا غير مطروح. بل يتم إبرازه كشكل من أشكال الهزيمة. وأن الضعفاء وحدهم هم من يتحاورون، فيما الأقوياء يركنون لحسم الحروب والخلافات بقوة السلاح وفرض الأمر الواقع، وهو ما ينطوي على تضليل جلي!.
ولكي تستمر الفرية، يلجأ المنتفعون إلى إبراز الآخر في صورة العدو، الرافض للسلام، المتعطش للقتل والدمار، وأنه لا يمكن التخاطب معه، فضلا عن محاورته. فيما الواقع أن هنالك موقفا لدى الذات من "الحوار"، كونها تجد فيه منقصة لها، وفقدانا لهيبتها، معتقدة بشكل خاطئ أنه خيار المهزومين.
النتيجة الطبيعية لمجمل هذه الكذبة التسويقية أن تستمر الخطابات التحريضية، بل تتحول إلى واجب وطني وديني، لا تكتمل وطنية الفرد وإيمانه إذا لم يرددها بشكل ببغاوي صباحا ومساء.
لذا من المهم الوعي بأنه، "أن أكون إنسانا معناه أن أكون غيري، في الوقت الذي أبقى فيه نفسي"، كما يقول بول ريكور. لأنه لا وجود للذات حين ينتفي الآخر. وهي المعادلة الوجودية التي يتجاهلها أصحاب الخطابات العنصرية والتكفيرية.
الحرية التي ننشدها لذواتنا، والحياة الكريمة، والأمن والاستقرار، لا يمكن تحقيق كل ذلك ما لم نؤمن أنه حق للجميع، وليس لنا وحسب. وهي الحقيقة التي يقررها الفيلسوف الفرنسي إمانويل مونييه، بقوله "أنا لا أكون حرا بمعنى الكلمة، إلا إذا كانت كل الموجودات الإنسانية المحيطة بي، رجالا ونساء، حرة هي الأخرى.. أجل إنني لا أصبح حرا إلا بحرية الآخرين".
*نقلا عن صحيفة "الرياض".