"الديمقاق"
كلمة «ديمقاق» مشتقة في الأصل من كلمة يونانية، تعني حرفياً قائد الشعب. وما كانت هذه الكلمة الغريبة على الآذان العربية تدل على سوء من يوصف بها، ولكنها منذ التغيرات المادية والسياسية التي تبِعت الثورة الصناعية في القرن الـ18، صارت تدريجياً صفة تحمل معاني سيئة. وتطورت سريعاً، بل مرت صفة «الديمقاق» بطفرة جينية خبيثة منذ مجيء هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا.
والمشترك بين كل من سبق وصفه بـ «الديمقاق» منذ عهد قدامى اليونانيين وحتى هلاك هتلر وموسوليني، هو القدرة على صياغة العبارة ودرجة من درجات الجاذبية بصفة من الصفات أو بما يسمى «الكاريزما»، حتى بروز رجل يدعى جوزيف مكارثي تم انتخابه في الشهر الـ11 من عام 1947 ليمثل ولاية وسكنسن في مجلس الشيوخ الأميركي. أدى مكارثي القسم في الشهر الأول من عام 1948 وصار عضواً في لجنة تُعنى بالشؤون الأمنية.
شذ السناتور مكارثي عمن سبقوه من «ديمقاقين» بأنه لم يكن خطيباً مفوهاً يشنف الآذان. بل عيياً عجز عن صياغة العبارة المؤثرة السلِسة. ولم يكن غريباً، لا من ذي قبل، ولا من ذي بعد، أن يتم انتخاب شخص مشابه أو مماثل لمكارثي لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي أو حتى أن يُنتخب رئيساً.
ففي أواخر الأربعينات من القرن الماضي، عرف الجميع أن الاتحاد السوفياتي صار يملك أسلحة ذرية، والخوف من تلك الأسلحة، وازدياد شعبية الأحزاب الشيوعية في دول غرب أوروبا، وبخاصة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، خلق «فزاعة» جاهزة لخلق الرعب في نفوس نسبة كبيرة من الأميركيين. فاستغل السناتور مكارثي «فزاعة» الخوف من الشيوعية، ومن منبر مجلس الشيوخ اتهم الآلاف من موظفي الحكومة الفيديرالية في وزارة الخارجية وفي وزارة الدفاع وفي البيت الأبيض ثم في هوليوود بالشيوعية. دمر حياة الكثيرين من الأبرياء، فتدخل زملاؤه في مجلس الشيوخ، بعد أن اتضح أن الرجل لم يكن سوياً، وعلقوا عضويته.
كان هتلر، شيخ «الديمقاقية» في العصور الحديثة، هو أكفأ من وظف أهم أدوات «الديمقاق». استغل ارتفاع نسبة التضخم في ألمانيا وهزيمة ألمانيا في الحرب الكونية الأولى، فدغدغ العواطف بالكذب وامتطاء حصان العنصرية.
وفي عام 2016، برز في الولايات المتحدة «ديمقاق» آخر باسم دونالد ترامب، فاستغل كل مشاعر العنصرية الكامنة والمعلنة في نفوس الطبقة الوسطى من البيض من الذين تأثروا سلباً من اتفاقات حرية التجارة الدولية من دون أن يتمكنوا من مجاراة ثورة اقتصاد المعرفة.
قال ترامب للعنصريين الذين لا يجرأون على إعلان عنصريتهم، وللعاطلين من العمل من البيض الجهلة وأشباه الجهلة والذين عجزوا عن التكيف مع متطلبات سوق العمل الأميركية، أن سبب معاناتهم الوحيد هو تدفق المكسيكيين من خلال الحدود الذين يقبلون الأجور الأقل ويعيثون في الأرض فساداً فيغتصبون ويقتلون ويسرقون من دون أن يتعرضوا لعقوبة رادعة.
والحل سهل جداً، كما يردد ترامب، وهو يعرف يقيناً أنه كاذب، بأنه سيجبر دولة المكسيك على بناء جدار فاصل بين حدود البلدين يتجاوز ارتفاعه 10 أمتار ويمتد لمسافة تزيد على 2000 كلم. أما كيف يستطيع إرغام دولة لها سيادتها كالجمهورية المكسيكية على بناء أو تحمل كل تكاليف البناء فلا يجيب عليه ترامب بأكثر من «ثقوا بي».
كما وعد بحل مشكلة الإرهاب بمنع المسلمين كافة كما يقول أحياناً، أو بمنع المهاجرين فقط، كما يقول في أحيان أخرى، من دخول أميركا.
والأهم أنه سيمحو دولة وأفراد «داعش» من الوجود. وحينما يقال له إن منع المسلمين من دخول أميركا يخالف صراحة الدستور الأميركي، وأن محو دولة «داعش» من الوجود، وهي التي ينتشر منسوبوها بين المدنيين يتعذر من دون قتل عشرات آلاف المدنيين لا يجيب ويناور ويراوغ.
لا جدال في هذا «الديمقاق»، الذي يشبه المهرج، وأخطر بمراحل من مجرد مهرج للتسلية، أنه استغل خوف الأميركيين من المسلمين كافة منذ كارثة 11 أيلول (سبتمبر)، واستغل ما تبع التغييرات التقنية المتسارعة وما رافق هذه التغيرات من اضطرابات في حياة من تجاوزوا الأربعين من ذوي المؤهلات المتواضعة في مستويات التعليم والتأهيل.
وختاماً، فإن أوقات المخاوف الأمنية، المرافقة لاضطرابات اقتصادية، توجِد بيئة خصبة لبروز «الديمقاق النصاب» الذي يوظف كل أدوات «الديمقاقية» من عبارات طنانة، وحيل بلاغية، لدغدغة العواطف بالكذب والدجل وإلهاب مشاعر العنصرية الكامنة والصريحة، وإثارة النعرات الطائفية.
* نقلا عن "الحياة"