إلا مدينة رسول االله

هاني عسل

نشر في: آخر تحديث:

يا إلهي!!

من كان يصدق أن يأتي يوم يضرب فيه الإرهاب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

اعتدنا على التفجيرات والعمليات الإرهابية في بغداد ودمشق وحلب وعدن، ومن قبلها القاهرة والعريش والدار البيضاء وسوسة، بل ووقعت تفجيرات سابقة في مدن سعودية، ولكن، لم يتخيل أي منا أن يقع انفجار أو هجوم انتحاري على بعد أمتار قليلة من قبر سيد الخلق وروضته الشريفة المكتوب عليها قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي”؟

أي نوع من البشر هذا الذي يجرؤ على القيام بعمل إجرامي كهذا في أطهر وأشرف بقعة على وجه الأرض؟

هل من قام بهذا العمل الحقير يمكن أن يكون مسلما حقا؟ هل هو إنسان؟ أم حيوان؟ أم ربما شيطان؟ هل يجرؤ الشيطان نفسه على ذلك؟

أي إسلام هذا الذي يحلل لهؤلاء قتل وإيذاء وترويع سكان المدينة وزائري مسجد الرسول؟

ترى ما الذي يقوله رسول الله لهؤلاء في قبره الآن، وهو الذي يسمع تحية كل من زاره ويرد له السلام بالمثل؟ ماذا يقول أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ المدفونان إلى جواره؟ وماذا يقول آل البيت وأهل البقيع؟

لقد اعتاد الزائر للمدينة على إحساس إيماني ونوراني لا يمكن وصفه أو التعبير عنه بالكلمات، لا يشعر به إلا من زار هذه البقعة الطاهرة المقدسة بنفسه، لدرجة أن المرء يخفف وطء قدميه وهو يسير في طرقاتها، تيقنا منه أن هذه الأرض هي نفسها التي سار عليها ذات يوم أشرف الخلق وصحابته الكرام رضي الله عنهم.

إن الزائر ليثرب ليستحيي من ارتكاب أي ذنب اثناء وجوده بها، بداية من فحش القول أو الغيبة والنميمة والنظرة الحرام، ومرورا بإلقاء الفضلات والبصق على الأرض، ونهاية بالتدخين، إدراكا منه أنه لا يليق أن يفعل ذلك في حضرة رسول الله.

إن الزائر لـ«طيبة» ليستحيي أن ينادي المؤذن للصلاة من مسجد رسول الله فلا يلبي النداء، أيا كان مكانه في المدينة، ومهما كانت مشاغله. إلى أي صنف من المخلوقات ينتمي هؤلاء الذين نفذوا هذا العمل الإجرامي الحقير؟

كيف تجرأ الواحد منهم على مجرد دخول أسوار الساحة الخارجية للمسجد النبوي وهو يضمر السوء لصاحب المسجد وحراسه وضيوفه؟

أيا كانت مصالح منفذي الحادث أو أهدافه، هل يمكن أن تكون هذه المصالح أو الأهداف على حساب تدنيس مدينة رسول الله وترويع زائريها؟ هل يمكن أن يكون عمل وضيع كهذا “جهادا في سبيل الله” أو نصرة للإسلام؟

طبعا لا يمكن فصل ما حدث عن خلفيات كثيرة لها علاقة بالتوتر السعودي الإيراني، والأزمة التي افتعلتها إيران بسبب موسم الحج المقبل، ولا عن الموقف السعودي تجاه ما يجري في العراق من تفجيرات وصراعات سياسية، ولا عن موقف الرياض من أحداث الحرب في سوريا، ولا من الوضع في لبنان، ولا عن موقف الرياض الداعم بقوة لمصر بعد ثورة 30 يونيو.

وإذا كانت تلك الجريمة الحقيرة قد استهدفت بصفة أساسية توجيه ضربة مؤلمة إلى اقتصاد المملكة في موسم عمرة العشر الأواخر من رمضان الذي يقترب زحامه من زحام موسم الحج، فإن وقوعها في توقيت متتابع مع عمليتين أخريين في جدة والقطيف معناه أن هناك رسالة سياسية “فاجرة” يتم توجيهها إلى المملكة، مفادها أن حربا قد بدأت، حربا قذرة، يراد لها أن تكون طائفية، لا إنسانية فيها ولا مقدسات ولا خطوط حمراء.

.. الطف بنا يا الله.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.