.
.
.
.

أبو الغيط.. في الجامعة العربية

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

تسلم الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السيد أحمد أبو الغيط، عمله في الأسبوع الماضي، كأمين عام يخلف د. نبيل العربي، الذي تولاها لخمس سنوات فيها الرزانة والواقعية والأدب الجم، ويأتي السيد أبو الغيط في جو مخالف تماما لما شهده السابقون من الأمناء..

عالم العرب اليوم غير الخمسينات وما بعدها، وسيجد الأمين العام المتحرك أن هناك مجموعات عربية مخالفة للتوقعات، هناك دول فارغة، وهناك دول غارقة، وأخرى على ضفاف الارهاب الداعشي، وجميعها انشغلت ببناء احترازات مخابراتية وأمنية وتحوطات اجتماعية، ولا يوجد من مجاميع الدول العربية أحد يدعي السلامة ويبتسم بالأمان.

أبو الغيط عاش في الأمم المتحدة، التي أفضل دروسها الواقعية، وهضم الحقائق، شاهدته في اللجنة الخامسة منكباًً متفحصاً أبواب ميزانية الأمم المتحدة وممرات الصرف، انعكاسا لشخصيته في هضم التفاصيل، وكنت أقول للمرحوم عصمت عبدالمجيد إن أبوالغيط مندوب العرب جميعاً يدافع عن أغنيائهم وعن فقرائهم، مع ثقة كبيرة في أدائه المميز.

في عالم اليوم لابد أن يتفحص الأمين العام الوقائع التي سأدون بعضها ليضع مشروع مرتكزات جديدا لعمل الجامعة العربية تحاكي تمنيات اليوم.

أولا – أرجو أن يقاوم خداع التاريخ ويوقف الحديث الهادر عن الأمن العربي القومي، الذي قضى عليه صدام حسين في غزوه دولة الكويت، وتقف أحداث القمة العربية في العاشر من أغسطس 1990، كوصمة عار وفضيحة أخلاقية انتكاسية لكل الأدبيات التي امتلأت منها ملفات الجامعة، بعد أن أظهرت إحدى عشرة دولة عربية وهنها الأخلاقي وضعف إرادتها السياسية في فشلها دعم الخطوات التي قدمها الرئيس حسني مبارك لتحرير الكويت واستعادة سيادة شعبها وحريته، دول عربية لم تستطع النهوض بالمسؤولية الأخلاقية والمعنوية التي يفرضها ميثاق الجامعة العربية فتهربت بغموض الامتناع، وبعضها تحدث ببجاحة مهددا ومتوعدا، ومن تبقى خاف من الحضور فآثر الغياب.

تلاشت الثقة في قدرة الدول العربية على الوفاء بحقوق الميثاق، وصار تكرار المفردات عن الأمن والتآخي نوعاً من الفكاهة وهزار السياسة، وأنصح الأمين العام الجديد أن يتلمس واقع الخليج وربما واقع الآخرين ليهضم أشواك هذه الحقائق.

ثانيا ـ أرجو أن يستند الأمين العام على تاريخ مشجع وايجابي من مؤسسة الجامعة العربية، التي لم تخن مبادئ ميثاقها والتي حاول الحريصون في جهازها على استحضار مبادئ الميثاق علاجاً للكارثة التي فجرها صدام حسين، فنالوا جميعاً، ليس التهديد فقط، وإنما انذارات بالملاحقة المستديمة، وأرجو من الأمين العام الجديد أن يشاهد فيديو الخزي عن مداولات القمة، وأنا واثق بأنه سيفرح بالهمة الصلبة بجهاز الجامعة ويشمئز للشتائم والسوقية التي صوبت نحو الأمين العام الشاذلي القليبي، الذي آثر الاستقالة على البقاء في أجواء لوثها رؤساء، بعضهم اختفى بلا عودة وبعضهم ادعى وتظاهر بالنية الحسنة ساعياً لإدعاء البراءة.

ثالثا ـ الكل الآن مشدود بحبال نحو الارهاب، الذي تفوق في همجيته وفي خياله الدموي، على كل الحسابات فصار يضرب ليس في الجوار وإنما داخل كل بيت.

وليس من المعقول أن يتوقف العرب في قمة موريتانيا أمام أوراق تتحدث عن البيئة والتلوث والوضع التجاري والاقتصادي، وإنما المطلوب الآن الهمة الجماعية للتخلص من الارهاب وبكل ما يستدعي من تحولات اجتماعية وتعليمية وتعاون مخابراتي مع الطلائع العالمية في مجموعات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وآسيا وغيرها، فالمأساة كونية التهديد، وحشية التنفيذ، آلياتها الانتحار، تخترق المحصنات وتسقط الارادات، وتحطم الدولة والهوية.. أخيرا لعل الأمين العام يستمع الى مختلف التصورات التي لدى الأعضاء عن المأساوية العربية الجماعية، التي تولدت من هزال الارادة.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.