.
.
.
.

المواجهة المعرفية للعنف المُبرر بالدين

نصر محمد عارف

نشر في: آخر تحديث:

مع بداية نهاية داعش ككيان سياسي وإجتماعي في سوريا، سوف يشهد العالم ظواهر غير مسبوقة، لم يشهدها مع العائدين من أفغانستان، أو تنظيم القاعدة، وذلك لأن داعش وصلت إلي درجات متناهية في سيكولوجيا العنف والإجرام، وحققت لأعضائها حياة تماثل أفلام بوليوود وليس هوليوود، من حيث المال والجنس والانتقام وتفريغ كل الشهوات والغرائز المريضة.لذلك سوف يشهد العالم انتشار جرائم داعش في كل مكان علي يد المحبطين الهاربين من سوريا والعراق تحت وقع القصف الروسي ثم الدولي، وهذا يستلزم استراتيجيات جديدة علي المستوي المعرفي تهدف إلي تنقية التراث الإسلامي من الأسس التي ينطلق منها الفكر العنيف والتدميري الذي خرجت منه داعش وستخرج منه كل جماعات العنف الوحشي المبرر بفهم مغلوط للدين.لأنه للحقيقة والتاريخ، فإن داعش وأخواتها هي ظاهرة طبيعية أنتجتها الثقوب السوداء في التراث الإسلامي، وفي التجربة التاريخية للمسلمين، حيث هناك من القضايا المعرفية ما تُرك دون حسم معرفي، ودون وضوح فقهي ليتم توظيفها بعد ذلك في كل اتجاه، وأهم هذه القضايا:

أولاً: مسئولية المسلم عن تبليغ الدين؛ أي هل يعتبر كل مسلم مسئولاً أمام الله سبحانه مسئولية فردية عن تبليغ الدين لجميع البشر؟ أم أن هناك شروطاً ومعايير وكفاءات يجب أن تتوافر فيمن يقوم بهذه الوظيفة؟ ومن يحدد هذه الشروط والمعايير؟ وما هو دور المؤسسات الدينية في هذا الشأن؟ وهل يمكن أن يترك الأمر فوضي دون تنظيم؟ وما هي تجارب الأديان الأخري والمذاهب والعقائد في التعامل مع هذه المسألة؟

ثانياً: مسئولية المسلم عن إيمان وكفر الآخرين، أي هل يمكن اعتبار المسلم مسئولاً مسئوليةً فرديةً عن تدين الآخرين من عدمه، سواء أكان الآخرون أهله أم أغراباً عنه؟ وعلي ماذا سيحاسب المسلم يوم القيامة؟عن نفسه أم عن البشر المحيطين به أم العالم أجمع؟ وهل يعقل أن يتحمل الإنسان مسئولية ما لا يتحكم فيه ولا سلطان له عليه؟ وهل هناك من وسيلة يمكن بها قياس تدين الآخرين؟ وأين المسئولية الفردية في الإسلام؟ كيف نفهم العدد الضخم من آيات القرآن الكريم التي تحصر مسئولية الإنسان في نفسه وأعماله؟

ثالثاً: مفاهيم الولاء والبراء، وعلاقة المسلم مع غير المسلمين، وهنا يثور السؤال: علي من ينطبق الولاء والبراء؟ وهل هو مفهوم تاريخي أم أمر ديني؟ وماذا يعني في التطبيق العملي؟ وما هي علاقته بأهل الذمة وشركاء الوطن؟ وهل هذا المفهوم يمكن أن يرتب أفعالاً مثل القتل للأرحام والوالدين كما حدث في السعودية منذ أسابيع قليلة؟ وهل يمكن تأسيس علاقات بين الدول علي مفاهيم الولاء والبراء في لحظة تاريخية لا يستطيع فيها أي مجتمع أن ينعزل عن العالم.

رابعاً: مفاهيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود بين دور مؤسسات الدولة ودور الفرد، وهنا نجد أنه من الضروري الإشارة إلي أن التجربة التاريخية للمسلمين لم تعرف تطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تمارس في بعض الدول الإسلامية، وتحاول بعض الجماعات أن تنقلها إلي باقي العالم الإسلامي، حيث كانت تمارس هذه الوظيفة في إطار مؤسسة الحسبة، وكانت تقتصر علي موظفين من قبل الدولة وليس متطوعين أم هواة أو مرضي نفسيين يريدون أن يتسيدوا علي الناس، وكانت هذه الوظيفة مقصورة علي حفظ الأسواق، والصناعات لمنع الغش أو التلاعب بالأوزان والمكاييل، أو الاحتكار وتعمد الإضرار بالمجتمع.

خامساً: حرية الإنسان في الاعتقاد والإيمان والكفر، وهذه مسألة شائكة جداً؛ تم تلبيسها علي الناس من قبل جهات عديدة، قيدت هذا الحق، واستخدمته في التخلص من الأعداء والخصوم والمنافسين، ومن يراجع كتاب «سير أعلام النبلاء» سيجد أكثر من أربعين حالة لعلماء أجلاء تم قتلهم بحد الردة للتخلص منهم .

سادساً: مفاهيم الجهاد وحدود حرية الفرد في ممارسته، وهنا نجد أن الفقه التاريخي استقر علي أن الجهاد بمعني التعامل مع الدول الأخري هو حق حصري للدولة والسلطة الحاكمة، ولا يستطيع الفرد منازعة الدولة في هذا الحق وإلا تعرض الكيان الاجتماعي للخطر والدمار، أما ما يتم تداوله في أدبيات الجماعات الإجرامية المتسربلة بالدين فهو خروج بالكلية علي منظومة فقهية مستقرة من أكثر من ألف سنة.

سابعاً: الدولة الحديثة وموقعها من نموذج الخلافة التاريخي، وهذه الكارثة الكبري لأنه يستحيل التفكير في إيجاد شبه بين الدولة الحديثة والنموذج التاريخي للخلافة، لا من حيث التنظيم ولا الأدوار والوظائف، ولا العلاقات الداخلية بين مكونات الدولة، ومكونات الخلافة، ولا العلاقات الخارجية، ولا الأطر التنظيمية والقانونية، ولا أي شيء علي الإطلاق، فهما عالمان مفترقان لا يدمج بينهما إلا من لم يستطع فهم واستيعاب أسس كل منهما.هذه القضايا وغيرها لم يتم تقديم إجابات حاسمة من الناحية المعرفية علي أي منها، أي إجابات تتحول إلي مسلمات تستقر في وعي الأمة ووجدانها، ثم تحدد بعد ذلك سلوكيات أفرادها، ويصبح العيب مساويا للحرام، ويكون هناك وضوح واتساق ما بين الأطر الفقهية بما تشتمل عليه من أحكام وفتاوي من جانب، والأطر الاجتماعية والثقافية بما تتضمنه من قيم ومعايير وأعراف من جانب آخر، ومن ثم يكون هناك مجتمع مستقر واضح المعايير والأعراف والقيم، هذا المجتمع لن يشهد حالة يقتل فيها شاب متدين والدته أو والده أو خاله أو عمه بسبب ديني، قائم علي مفاهيم الولاء والبراء، التي تحول علاقة الدم إلي علاقة افتراضية لا أساس لها، إلا ما يقرره الطرف الذي يدعي أن يمثل الدين ويحميه.

وهنا لابد من أن تنهض مؤسسات فكرية من المرجعيات الدينية التي تمثل كل المسلمين لوضع إجابات حاسمة علي هذه الإشكاليات الكبري، إجابات معرفية غير مسيسة ترتب أحكاما فقهية لا يستطيع أن يشكك في صدقيتها أحد.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.