.
.
.
.

تقرير تشيلكوت.. والحصاد الكارثي

عبدالله خليفة الشايجي

نشر في: آخر تحديث:

تشكل التقارير التي تصدرها الحكومات في الغرب، عقب الكوارث والحروب التي تشنها الدول، مراجعة علمية لتصويب قرارات الدول المصيرية، ووضع صناع القرار أمام مسؤولياتهم في كيفية اتخاذ القرارات المهمة في المستقبل. ولذلك تأتي تلك التقارير عادة بعيدة عن التسييس، وتشارك فيها شخصيات مرموقة ذات مصداقية ومهنية. وفي حالة الولايات المتحدة الأميركية مثلًا، شكل تقرير لجنة اعتداءات 11 سبتمبر 2011 ‬نقطة ‬أضاءت ‬أسباب ‬الفشل ‬الأمني ‬والاستخباري ‬وأخطاء ‬أخرى ‬قادت ‬لانكشاف ‬أمني ‬ألحق ‬بالولايات ‬المتحدة ‬أكبر ‬مأساة تصيبها ‬منذ ‬الحرب ‬العالمية ‬الثانية. ‬وقدمت ‬اللجنة ‬توصيات ‬مهمة ‬للاستفادة ‬من ‬دروس ‬الفشل ‬والتقصير ‬لضمان عدم ‬تكرار ‬كارثة ك‬اعتداءات ‬11 ‬سبتمبر ‬على ‬الأراضي ‬الأميركية.

وفي بريطانيا أدان مؤخراً تقرير تشيلكوت مشاركة البلاد في حرب العراق، وجميع مراحل هذه المشاركة من اتخاذ القرار، إلى بقية المراحل، تخطيطاً وتنفيذاً وقتالًا، وحتى مرحلة ما بعد الحرب. في كل الحرب كان هناك تقصير، ولذلك كانت النتائج كارثية. وقد ارتكزت على معلومات استخبارية غير صحيحة عن وجود أسلحة دمار شامل وعلاقة صدام حسين بـ«القاعدة».

وبالتالي لم تكن الحرب على العراق مبررة حينها، لعدم استنفاد جميع المحاولات الدبلوماسية لتجنب حرب لم تكن ضرورية، لأن نظام صدام لم يكن يشكل حينها تهديداً على المملكة المتحدة. وفي ذلك إدانة وفشل استخباراتي يرقى للفضيحة. وقد تعارضت الحرب مع ميثاق الأمم المتحدة القاضي بالحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. كما لم تكن تحضيرات واستعدادات القوات البريطانية جاهزة وكافية لخوض الحرب من 2003 إلى 2009! وأدان التقرير أيضاً التحضيرات والقرارات في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام -بالنتائج الكارثية التي يشهدها العراق اليوم من تفكك وفوضى وصراع وطائفية وإرهاب وتقسيم، وصولًا لحالة دولة فاشلة هشة تهدد كيانه وجيرانه وتسمح لإيران بأن تهدد الأمن والاستقرار ومصالح الغرب وحلفاءه في المنطقة- والأهم الخلل الكبير في ميزان القوى الإقليمي بإسقاط نظام صدام حسين، ما سمح لإيران بالتنمّر والبلطجة والاستثمار في مشروع تدخلات بدعم دول ومليشيات مسلحة، وإسقاط العراق ضمن مناطق نفوذها والدوران في فلك طهران! وهذه أكبر سقطة استراتيجية ضمن نتيجة حرب العراق.

وفي ذلك إدانة صارخة وقوية لرئيس الوزراء توني بلير الذي أبلغ الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بأنه «سيسانده ويقف معه مهما تطلب الأمر»! ما قاد إلى كارثة لبريطانيا التي تمددت وشاركت في حربين ولم تكن مستعدة لذلك حينها! وبتكلفة عالية بشرية ومالية نجم عنها مقتل 200 جندي بريطاني وخسائر مالية بمئات المليارات من الجنيهات. هذا ناهيك عن إزهاق أرواح مئات الآلاف من العراقيين، وملايين اللاجئين والمشردين والأيتام والأرامل في معاناة ستسمر لأجيال. وكل ذلك بسبب قرار خاطئ ومميت بشن حرب غير مبررة ولا ضرورية ولم تحقق أهدافها، وقادت لتفتيت المنطقة وزعزعة الأمن والاستقرار إلى درجة أن جيريمي كوربن، زعيم حزب العمال -حزب بلير- قد اعتذر عن الحرب التي وصفها بالعدوان ‏Aggression!

وفي ذلك أيضاً إدانة أخرى واضحة لتوني بلير التابع لبوش وللمحافظين الجدد الذين شنوا حرباً غير ضرورية ودون وجود تهديد واضح أو تخطيط صحيح وجاءت بنتائج كارثية، وخاصة بحل الجيش والقوى الأمنية، ومأسسة نظام المحاصصة الطائفية، ما فجر وحش الطائفية وسمح لإيران بالتدخل وتقسيم العراق بين فئاته الدينية- المذهبية- العرقية المتصارعة، سنة وشيعة، وعرباً وأكراداً، لتكون هي المحصلة الكارثية التي يشهدها العراق والمنطقة اليوم.

والاستخبارات الغربية تتحدث عن العراق وسوريا بصيغة الماضي، لعراق مقسم ومجزأ على خطوط الصدع المذهبي والعرقي والطائفي بين مكوناته الشيعية والسنية والكردية. وبسبب الحرب الأنجلو- أميركية التي تستمر تداعياتها تحت شعار محاربة الإرهاب، وواجهته الحرب على تنظيم «داعش» المستمرة منذ عامين وبنتائج غير حاسمة.

وفي المجمل، تشكل نتائج تقرير تشيلكوت الذي استغرق سبعة أعوام إدانة لبلير الذي أعلن عن تحمله كامل المسؤولية، وأنه قد اتخذ القرار بصدق نية دون أن يشفع له ذلك من بدء تحريك دعاوي قضائية لمحاكمته من أسر الجنود القتلى، ما يعني نهاية بلير السياسية!

وكان لافتاً أن يتزامن نشر تقرير تشيلكوت مع تصريح مرشح الرئاسة الأميركي دونالد ترامب الذي أهان العراق والعراقيين لإشادته بقسوة وقتل صدام حسين للإرهابيين بلا رحمة! وهذا شيء جيد في نظر ترامب! متجاهلاً في المقابل ديكتاتورية صدام حسين! وقد وصف ترامب العراق بجامعة هارفارد لتخريج الإرهابيين بعد جذبهم وتدريبهم! ولكن السؤال: كيف ولماذا ومن تسبب في تحول العراق لجامعة هارفارد للإرهاب؟!

والسؤال المهم أيضاً هل ستنتفض حكومة العراق؟ وتستخدم تقرير تشيلكوت لمقاضاة أميركا وبريطانيا في محكمة الجنايات الدولية عن الكوارث التي سببتها الحرب؟! وهل سترد حكومة العبادي على إشادة ترامب بصدام حسين؟ وما رأي ترامب في إدانة تقرير تشيلكوت لبلير ومشاركة بريطانيا في حرب العراق؟ وهل سنسمع أصواتاً في المؤسسة السياسية تطالب بمحاكمة بوش على حربه الكارثية في العراق؟

من مفارقات الحرب على العراق أنها أنتجت إرهاباً طائفياً ومليشيات مسلحة «الحشد الشعبي» أقوى من الدولة، و«داعش» اللذين قد يبقيان حتى بعد رحيل أوباما وكيري وأولاند وميركل وروحاني والعبادي وربما الأسد! وسيبقى المتطرفون ويتمددون! ما سيبقي الفراغ الاستراتيجي والفوضى.

والحال أن خلاصة تقرير تشيلكوت ليست إدانة لبلير فقط، ولكن لبوش أيضاً، ولشن حرب أنجلو- أميركية على العراق. وأنه لا حروب بريطانية في المستقبل دون تمحيص وتدقيق وتشكيك فيما يقدمه رئيس الوزراء من أدلة وبراهين! كما يكشف التقرير أنه حتى في الدول الديمقراطية التي تفتخر بالشفافية وقوة المؤسسات يمكن تحويل تلك المؤسسات والبرلمانات إلى أداة لتشريع حروب غير ضرورية! وفي الواقع لا يوجد فارق كبير بينها وبين مؤسسات الدول النامية للمصادقة على قرارات القيادة السياسية، وقد تجر بلادها لكوارث، وتدمر أوطاناً وشعوباً تبقى تسدد فواتير القرارات الخاطئة لتلك الدول لأجيال!

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.