.
.
.
.

ليس من أجل العراق

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

اعترف «تونى بلير» رئيس وزراء بريطانيا، أثناء غزو العراق سنة 2003، بأن قرار الغزو لم يكن مدروساً بشكل جيد، وأنه يأسف لذلك، وفى الإعلام المصرى والعربى، جرى الترحيب بهذا التصريح، وتوبيخ «تونى بلير» على ما اتخذه تجاه العراق، كما جرى الترحيب بتقرير لجنة «شيلكوت» الذى استغرق سبع سنوات لإعداده، التقرير كما ذُكر يقع فى حوالى 2.600.000 كلمة، أى عدة مجلدات ضخمة، لكن يجب التوقف أمام بعض الأمور، أبرزها أن التقرير يدين «بلير» على أمور تتعلق بالصالح البريطانى العام، وليس الصالح العراقى والعربى، ذلك أن خوض حرب العراق، كلَّف الاقتصاد البريطانى 8 مليارات جنيه إسترلينى، وعددا كبيرا – حوالى 200 - من الجنود البريطانيين سقطوا فى المعركة، وسياسياً أظهر بريطانيا على أنها مجرد تابع «أعمى» للسياسات الأمريكية، وأن الغزو أدى إلى ازدياد الإرهاب وبزوغ «داعش» التى تهدد الأمن القومى البريطانى، وتجند شبابهم للقتال فى سوريا الشقيقة.

أتصور أن الاقتصاد البريطانى لو لم يخسر مبلغ 8 مليارات إسترلينى أو حقق مكسباً مالياً، لما كانت هناك حاجة إلى تشكيل لجنة لدراسة القرار وتقييمه.

ولو أن بريطانيا كسبت من الحرب سياسياً أو استراتيجياً، لما صدرت الإدانة، وما وجدنا بلير يقف متلعثماً ومعتذراً، وإلا فلماذا لم يصدر قرار مشابه حول غزو بريطانيا لمصر واحتلالها سنة 1882؟، ولماذا لم تُشكل لجنة مشابهة؟، السبب أن الممتلكات البريطانية وقتها زادت واتسع نفوذ الإمبراطورية البريطانية، وكل ذلك بأشبه لكثير من عمليات الغزو التى قامت بها بريطانيا تجاه عدة دول داخل المنطقة ومن بينها العراق نفسه.

هل نحن كنا بانتظار صدور هذا التقرير لندرك أن الغزو كان جريمة، متكاملة الأركان، وليست مجرد خطأ سياسى أو قرار لم يدرس بشكل كافٍ، واتخذ على عجل..؟ من اللحظة الأولى، وحتى قبل وقوع الغزو، كنا ندرك أن هناك جريمة كبرى يجرى إعدادها، ليست بحق العراق فقط، بل بحق المنطقة كلها، إخراج العراق من معادلة القوة العربية، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، أدى إلى كثير مما نراه، ولعل أخطره بروز قوى وتيارات التطرف والإرهاب حولنا، وفى كل مكان.

أفهم أن الوجع العراقى أصابنا ومسنا جميعاً، وأعرف أننا أضرنا كثيراً، ودفعنا فاتورة ثقيلة، ومازلنا ندفع ما حدث، لذا، سعد معظمنا بالتقرير، الذى لم يوضع ولم يكن من أجلنا.

لم يوضع التقرير من أجل سواد عيون العراقيين، ولا من أجل المصلحة الوطنية والقومية العربية، ولا حتى بهدف الاعتذار للضحايا والمواطنين العراقيين، الذين سقطوا ومازالوا يتساقطون إلى اليوم.

غير أن أخطر ما يرصده التقرير، هو زيف المظاهر والمؤسسات الديمقراطية، وزيف الأداء الديمقراطى، بل إن الاستبداد فى صناعة القرار واتخاذه يفوق ما يجرى فى بعض بلدان التى توصف بالاستبدادية، فى حالة غزو العراق، تم التلاعب بتقارير المخابرات التى أكدت أنه لا علاقة لصدام حسين بالجماعات الإرهابية، وتم تعديل رأى وقرار النائب العام ليصبح مسانداً لاتخاذ القرار، وتم تقديم معلومات مغلوطة إلى مجلس العموم «البرلمان» ليتخذ قراراً بناء عليها، ولم يهتم مجلس العموم بالتحقيق ومناقشة المعلومات التى قُدمت إليه، قبل أن يقدم على اتخاذ القرار الذى أريد له أن يتخذه.

التقرير يثبت بجلاء ويوضح ذلك الزيف، القرار اُتخذ فى جلسة مغلقة بين الرئيس بوش وتونى بلير، وكان المطلوب تطويع كل المؤسسات وكل الخطوات لتتوافق مع ذلك القرار وتضمن تنفيذه.

تقرير «شيلكوت» وأحداث أخرى فى البلاد «الديمقراطية»، تفرض علينا أن نفكر جدياً فى معنى وحدود الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وليس فقط الشكل والمظهر المؤسسى.. المهم روح الديمقراطية.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.