.
.
.
.

مزايا التوترات الطائفية ومخاطرها

نبيل عبد الفتاح

نشر في: آخر تحديث:

التوترات الدينية والعنف المفتوح المحمول عليها، يمثل أحد تطورات العلاقة الملتبسة بين الدين والدولة ما بعد الاستقلال فى العالم العربى والتوظيفات السياسية للنخب الحاكمة للإسلام فى الصراع السياسى، وذلك كأحد مصادر شرعيتها، وإحدى أدواتها فى الضبط الاجتماعى، وتبرير سياساتها وقراراتها، وفى مواجهة الجماعات السياسية الليبرالية والماركسية والقومية فى بعض الأحيان. هذا النمط من السياسة الدينية تراجعت بعض أهدافه فى إطار الدولة التسلطية فى بعض المراحل كالناصرية فى مصر- فى ظل رؤيا تربط بين الإسلام والتنمية والتحول الاجتماعى واتخاذه سندا لتسويغ السياسات الاجتماعية والتأميمات وبناء القطاع العام، وفى مواجهة الجماعات السياسية الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين ونظائرها، إلا أنها لم تحقق بعض أهدافها مع هزيمة يونيو 1967، وذلك لتحول الإسلام إلى الوعاء الجامع لاستيعاب آثار الهزيمة على البنية النفسية والرمزية والثقافية التى أصابتها شقوق وثقوب عديدة، بعد فشل المشروع الناصرى فى ميادين القتال، ومن ثم أصبح أحد أبرز أدوات التماسك الاجتماعى لمواجهة الانعكاسات الخطيرة للهزيمة. من هنا انفتح الباب عن سعة لتنامى خطاب الهوية الدينية الذى أدى إلى تمددات للدينى على السياسى والاجتماعى، وصعود متنامى للسلطة الدينية الرسمية ورجال الدين فى إطارها، وخطابهم العنيف إزاء الفكر الاشتراكى والماركسى والقومى والليبرالى وروجوا لخطاب دينى أحادى يحاول تأثيم وإقصاء واستبعاد الفكر الحديث والمعاصر، ورجم الحداثة الثقافية بالعديد من الاتهامات والتشكيك فى شرعيتها الدينية، بل ووصل الأمر ببعضهم لاعتبارها تدعو للإلحاد واللا تدين. أدى التواطؤ بين النظام والنخبة التسلطية، والمؤسسة الدينية الرسمية، إلى التغاضى عن مخاطر هذا النمط من الخطابات النقلية المغلقة وآثارها على الشرعية التاريخية للدولة القومية المصرية الحديثة، وعلى أسس التكامل الوطنى، والعلاقات بين الأديان والمذاهب داخلها فى إطار دولة القانون الحديث. استكانت النخبة الحاكمة إلى أن المؤسسة الدينية الرسمية خاضعة لها ولتوجيهاتها السياسية، وأنه يمكنها تغيير هذا التوجه فى سياستها الدينية بعد مواجهة العدوان وتحرير الأراضى المحتلة، إلا أن ذلك لم يتحقق وإنما حدث تغير كبير حيث استخدم السادات الإسلام لإعادة صياغة الخريطة السياسية، والقوى الداعمة لنظامه من خلال المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين بعد أكتوبر 1974- ودعم الدور السياسى للأزهر فى إطار سياستهُ الدينية والإيديولوجية الجديدة فى الهجوم على الناصرية، والماركسيين، وبعض الليبراليين، وفتح الباب واسعاً أمام التمدد الدينى الإخوانى والسلفى، وتناسى أن استخدامات الإسلام السياسية لن تكون قصراً وحكراً على النظام وأجهزته الإيديولوجية، وأن ثمة جماعات أخرى ستزايد عليه وعلى مشروعية استخداماته. من هنا شهد حكمه بدايات تفكك عرى الموحدات القومية الجامعة بين مكونات الأمة الواحدة، وتزايدت التوترات الدينية التى أخذت بعض الأبعاد الطائفية، بعضها انفجر كنتاج للتحريض المباشر ضد الأقباط، وبعضها الآخر ظل مستتراً ومسكوتا عنه فى الخطاب السياسى والإعلامى، كبعض من أشكال التمييز ضد الأقباط فى بعض وظائف الدولة وفى مستوياتها القيادية، وفى بعض المواقع داخل أجهزة النظام والدولة. الأخطر هو تزايد معدلات العنف الدينى المادى والرمزى ذى المنحى الطائفى على الصعيد الاجتماعى. فى عهد مبارك تمددت الجماعات الإسلامية السياسية وعلى رأسها الإخوان فى ظل سياسة التمثيل والمشاركة الجزئية فى النظام، والحركة السلفية واستخدامها فى مواجهة الإخوان والراديكاليين، واستمرارية إسناد الملف الدينى والطائفى إلى الأجهزة الأمنية المختصة، مع بعض من التساهل والتراخى فى تمدد الإخوان والسلفيين على الصعيد الاجتماعى، وبناء شبكات اجتماعية وأشكال من التعاضد الدينى، فى ظل مواءمات سياسية وأمنية، مع إغفال بناء سياسة دينية وحزمة سياسات متنوعة للتعامل مع العلاقة الملتبسة والمركبة فى علاقة الدولة بالإسلام سياسيا ومع جماعاته المعارضة أو التى يتم توظيفها سياسياً. أدت هذه السياسة المضطربة إلى تديين المجالين العام والخاص، وسعى غالبُ القوى الإسلامية السياسية والسلفيين إلى أسلمة الدولة والمجال العام، من خلال أشكال من الطقوس الاستعراضية فى الشارع وأماكن العبادة وفى الوظيفة العامة، والسكن، والمركبات العامة والخاصة، وهى السند الاجتماعى للقوة السياسية للإخوان والسلفيين بعد 25 يناير 2011. فى ظل هذه التحولات الاجتماعية، وفى أنماط التدين لم تستطع النخبة الحاكمة أن توقف وتضبط هذا التمدد وانعكاساته على طبيعة الدولة وأجهزتها ووظائفها، وعلى منطق وطبيعة قانونها الحديث، بل وفى تراجع هيبته وسلطته على حكم العلاقات الاجتماعية وتغيراتها الجديدة. أدى ذلك إلى انكسار فى الأسس والموحدات الجامعة للأمة حول الدولة، »ومواطنيها« والنظام القانونى الكلى وشرعيته الحداثية كنتاج للتشكيك فى شرعية الدولة والقانون معاً، وكنتاج لسياسة تديين السياسة، والوظيفة العامة، والمجال العام المقيد، على نحو أدى إلى اعتصام غالبُ المواطنين الأقباط بالمؤسسة الدينية الأرثوذكسية وسواها من الكنائس الأخرى- ومن ثم تمددت بعض أشكال التمييز الدينى الفظ والناعم فى نطاق الوظيفة العامة، والترييف الذى لحق بأجهزة الدولة سواء على نمط التفكير أو السلوك أو الخطاب والعلاقات. من ثم تراجعت النظرة الحداثية للدولة والعالم والذات، وفى الإدراك الجمعى، وتمددت النظرة الدينية المذهبية داخل الإسلام فى أعقاب 25 يناير والمراحل الانتقالية، وصعود الإخوان والسلفيين إلى سدة السلطة، بدى وكأن ثمة تحول إلى تديين كامل للدولة المصرية وأجهزتها، والمجال العام، وبروز خطابات قدحية إزاء الأقباط، والشيعة والقوى المدنية، وتزامن ذلك مع اعتداءات عليهم وعلى دور العبادة، وتحول بعض المنازعات اليومية إلى طائفية، وعدم التطبيق الحاسم للقانون على مرتكبى هذه الجرائم التى تزايدت معدلاتها على نحو غير مسبوق فى تاريخ مصر منذ ثورة 1919.

يدفع بعض المصريين الأقباط ثمن اجتماعى كنتاج لمشاركتهم الفعالة فى عملية 30 يونيو والمكونات التى شاركت فى إطار تحالفها، ومن ثم تبدو بعض عمليات العنف الطائفى فى المنيا وغيرها علامة خطر تتطلب مواجهة حاسمة لها، وسياسة، تعليمية، وثقافية وإعلامية جديدة، لأن ترك الأمور لبعض المعالجات القديمة لن تساهم سوى فى إعادة إنتاج هذه التوترات والعنف، فى ظل مشاكل اقتصادية واجتماعية كبرى، ومن ثم تحتاج إلى ضرورة كبح سلوك بعض العوام والموظفين العموميين، من أجل تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار فى العلاقات الاجتماعية بين المصريين أيا كانت دياناتهم ومذاهبهم، كى تستطيع الدولة والنخبة السياسية الحاكمة مواجهة المشكلات الهيكلية المتفاقمة منذ أكثر من أربعين عاما مضت. والسؤال هل هناك حلول مبتكرة عملية ومؤسسية لمواجهة مشكلات التوتر الدينى والمذهبى ذات المنزع الطائفى؟ سوف نحاول الإجابة عن هذا السؤال فى المقال المقبل.
نقلاً عن الأهرام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.