.
.
.
.

اعتذار بلير.. لا يغنى من جوع

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

قتلت فرنسا فى الجزائر مليون جزائرى ولم تعتذر عن ذلك أو تعوضهم عن جرمها فى حقهم، واحتلت بريطانيا مصر سبعين عاماً بلا مبرر دون اعتذار أو تعويض.

وقتلت أمريكا قرابة مليون فيتنامى فى حرب عبثية دون تعويض أو اعتذار، وقصفت أمريكا هيروشيما وناجازاكى بالقنابل الذرية فقتلت فى الحال قرابة 85 ألف مدنى لا ناقة لهم ولا جمل فى الحروب دون تعويض أو اعتذار.

وقتلت إسرائيل آلاف الجنود الأسرى المصريين فى حرب 5 يونيه سنة 1967 دون اعتذار أو تعويض، واحتلت روسيا أفغانستان وقتلت وجرحت عشرات الآلاف من الأفغان دون مبرر أو اعتذار أو تعويض.

واحتلت أمريكا أفغانستان لضرب القاعدة وطالبان فهرب كل منهما إلى باكستان وقتل وجرح قرابة مليون أفغانى معظمهم من المدنيين وتحول ربع مليون أفغانى إلى معوقين جراء القنابل العنقودية والشراك الخداعية وأحدث الأسلحة الفتاكة.

وغزا الثنائى بوش الابن وبلير العراق عام 2003 بحجة امتلاك العراق للسلاح النووى وخلف الغزو مليون قتيل عراقى، فضلاً عن تقسيم العراق وبذر الطائفية فيها وجعلها مرتعاً للإرهاب والفوضى والميليشيات المسلحة الطائفية والتكفيرية.

وقد شكلت بريطانيا لجنة برئاسة اللورد جون شيلكون استغرق عملها سبع سنوات وأصدرت تقريرها هذا العام، أى بعد 13 عاماً من الغزو الأحمق.

ورغم أن التقرير كان مهذباً فلم يصف بلير بأنه مجرم حرب كما وصفته المظاهرات البريطانية وقت الغزو إلا أنه كان واضحاً ويحمل إدانة دامغة لبلير.

ويقع التقرير فى 12 مجلداً، ويحوى 2.6 مليون كلمة، ورغم أن التقرير لا يعتد به قضائياً أو يؤهل لمحاكمة المسؤولين البريطانيين إلا أنه يعد وثيقة سياسية تدمغ حكم بلير بتضليل البرلمان وشعبه، وتفضح جرائم بلير وحكومته، حينما نص على أن غزو العراق كان خارج إطار القانون الدولى وأن تقارير المخابرات البريطانية عن أسلحة العراق النووية كانت كاذبة، وأن بلير أغفل الرأى العام البريطانى الرافض للحرب، وأغفل آراء الدول الكبرى الأخرى الرافضة لها، مثل: فرنسا، روسيا، ألمانيا، الصين.

كما أثبت التقرير أن عراق صدام لم يكن يمثل أى خطر على الأمن القومى البريطانى، وأن العراق انتقل للأسوأ، وأن بلير وحكومته لم يهتموا بالتحذيرات عن مآلات العراق بعد الغزو وتفككه أو تحوله لمرتع للتنظيمات والميليشيات المتطرفة أو الطائفية والعرقية، وهذا كله حدث بشكل بشع لم يسبق له مثيل.

والحقيقة أن حكومات الغرب عامة وبوش الابن وبلير كانوا من أكذب الناس على شعوبهم والعالم، فلم تكن المشكلة الحقيقية فى كون صدام ديكتاتوراً يجب إقصاؤه، فكثير من الحكام الذين يساندهم الغرب ديكتاتوريون استبداديون حتى النخاع.

ولكن غزو العراق وتقسيمه وتسريح جيشه وإقصاء وإعدام صدام كان لمصلحة المشروع الصهيونى فى الشرق الأوسط، فقد كانت العراق فى عهده تمثل تهديداً حقيقياً للمشروع الصهيونى التوسعى، فقد امتلك العراق وقتها ناصية القوة السياسية والعلمية والعسكرية والاقتصادية والنفطية والزراعية والصناعية، فضلاً عن الاستقرار.

لقد اعتذر بلير عن غزو العراق بعد 13 عاماً من جرمه فى حق شعبه والعراق، ولكن هل سيحيى هذا الاعتذار مليون عراقى قتلهم الغزو، هل سيضمد جراح أربعة ملايين يتيم عراقى قتلهم مع بوش الابن، ومن سيعوض مليون أرملة عراقية عن أزواجهن، ومن سيعوض أربعة ملايين مهاجر عراقى شردوا من بلادهم، ومن سيعوض العراق عن آثاره التى سرقها الاحتلال وأعوانه.

وإذا كان بلير قد اعتذر، فماذا عن السياسيين العراقيين الذين ساعدوا بلير وبوش الابن على غزو بلادهم، وماذا عن زعماء الميليشيات العراقية التى غزت بلادها على أسنة الرماح الأمريكية البريطانية، ولماذا شارك الحرس الثورى الإيرانى مع الشيطان الأكبر «من وجهة نظره» فى غزو بلد مسلم وسعى فى تدمير جيشه وتسريحه وتحويل هذا الوطن العربى المسلم إلى مقر دائم للميليشيات الطائفية مثل الحشد الشعبى أو التكفيرية مثل داعش.

ولماذا لم يعتذر أحد من ساسة العراق الذين نصبهم الغزو على رقاب العراقيين وكان ولاؤهم لإيران أكبر من ولائهم للعراق، وأعينهم على رضا المرشد والحرس السورى أكثر من نظرهم إلى رضا شعب العراق المسكين.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.