.
.
.
.

غايةُ الغفلةِ أم غايةُ الخيانة؟

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

لأننا مُغفَّلون، في غاية الغفلة، توهّمنا بأن "برلماننا" لن يُمتّع نفسه بعطلته الصيفية هذه السنة، وأن رئاسته، بضغط من أعضائه أو بعضهم، ستتخذ قراراً بالتخلّي عن العطلة والانكباب على إنجاز العديد من المهام والاستحقاقات غير القابلة للتأجيل من المؤسسة الأرفع في الدولة.
الأساس في هذا الوهم أن "برلماننا" كان قبل حلول موعد عطلته الصيفية قد انحدر إلى وهدة أزمة داخلية شطرته إلى نصفين وعطّلت عمله، وأنه سيرابط في مقرّه أو في فندق الرشيد القريب منه، سعياً للتوصل إلى حلّ لهذه الأزمة. والأساس في الوهم أيضاً أن القوات المسلحة الوطنية كانت، ولم تزل، منخرطة في حرب وطنية، هي حرب تحرير الرمادي والفلوجة وسائر مناطق الانبار قبل التوجّه الى الموصل، وأن المؤسسة "الوطنية" الأرفع ستمكث في مكانها، في حال الانعقاد الدائم، لدعم القوات المسلحة، معنوياً في الأقل. والأساس في وهمنا كذلك أن "برلماننا" سيقرّر إلغاء عطلته لإنجاز وعده بتشكيل حكومة جديدة واتخاذ خطوات إصلاحية أخرى كان قد تعهّد هو وحكومته بها منذ سنة ولم يتحقق منها شيء ذو قيمة، وأن اقتراب ذكرى مرور سنة على انطلاق الحراك الشعبي الأكبر في تاريخ العراق وذكرى تلك التعهدات ستدفع "برلماننا" للاستغناء عن إجازته الصيفية وتشريع القوانين واتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق تعهدات الإصلاح.
ولأننا مغفلون، في غاية الغفلة، توهّمنا بأن "برلماننا" الذي استكثر على نفسه وعلينا إلغاء إجازته الصيفية، للأسباب الواردة أعلاه، سيقطع إجازته في الحال ويعود إلى مقره لعقد جلسات استثنائية بعد العملية الإرهابية الشنيعة في الكرادة، غير المسبوقة والفريدة من نوعها، ليحاسب الحكومة والأجهزة الامنية عن تقصيرها، أو في الأقل للترحم على أرواح الضحايا الذين تجاوز عددهم الثلاث مئة، فضلاً عن العدد الأكبر من المصابين، ولإعلان التضامن مع عائلات الضحايا ومع أصحاب الأعمال الذين تضرروا من جراء العملية.
لأننا مغفلون، غاية الغفلة، توهّمنا بأن هذا كله سيحدث، ولم يحدث، فقد أصرّ أعضاء "برلماننا"، رجالاً ونساءً، وهيئته رئاسته على التمتّع بكامل إجازتهم التي كانت قد بدأت بالفعل قبل موعدها المعتاد بعدة أسابيع غداة الأزمة الداخلية واقتحام المتظاهرين مبنى البرلمان لتصبح أطول إجازة صيفية في تاريخ المجلس.. لم يهتمّ أيٌّ من الأعضاء بأمر حرب التحرير ولا بأمر الإصلاحات المستحقة، بل لم يرفّ لأحد منهم جفن فيما كانت الكرادة تلتهب في الجحيم!
والآن بعد أن عاد أعضاء "برلماننا" الميامين من إجازتهم المريحة، فإن المهمة الأولى التي وضعوها نصب أعينهم هي خنق الحناجر وقطع الألسنة، ذلك أن القانون الذي جعلته هيئة الرئاسة ليتصدر الأعمال في الفصل التشريعي الجديد، هو القانون الخاص بحرية الاجتماع والتظاهر السلمي الذي صيغت مسودته بما يقيّد هذه الحرية المكفولة في الدستور ويحول عملياً دون عقد اجتماعات وتنظيم تظاهرات يحتجّ فيها الناس على الفساد الإداري والمالي والسياسي وعلى نظام المحاصصة واحتكار السلطة والتقصير في أداء أجهزة الدولة، وما إلى ذلك.
السؤال: هل نحن مغفّلون غاية الغفلة، لتراودنا كل هذ الأوهام أم أننا مخذولون بخيانة مؤسسة غير وطنية أعلن أحد أعضائها ذات مرة أنهم جميعاً مرتشون، ولم يتحرك أحد منهم ليرفع ضده دعوى قذف وتشهير، أو في الأقل ليعترض أو يحتجّ؟!
إذا ما أجاز مجلس النواب هذا القانون يوم الإثنين، بعد غد، بهذه الصيغة، فإن على الحركة الاحتجاجية إسقاطه على أرض الواقع بعد التقيّد بأحكامه، والتعامل مع الأعضاء الذين سيصوّتون لصالحه على أنهم من أعداء للشعب.

*نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.