.
.
.
.

المداومة على الطاعات

شوقي علام

نشر في: آخر تحديث:

مرت ليالى وأيام شهر رمضان المبارك سريعًا بما كانت تحمله من إشراقات وأنوار وبركات وخيرات، وقد فاز المخلصون الذين صاموا وقاموا وفعلوا الطاعات محتسبين الأجر والفضل عند الله تعالي، فكان لهم ما يرجون فى ليلة العيد وهى ليلة الجائزة، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة فى الحديث القدسي: “يقول الله عز وجل للملائكة: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا جزاؤه أن توفيه أجره، قال: فيقول: فإنى أشهدكم يا ملائكتى أنى قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامه رضائى ومغفرتي، ويقول: يا عبادي، سلونى فوعزتى وجلالى لا تسألونى اليوم شيئا فى جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، فوعزتى لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، فوعزتى لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدى أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورا لكم قد أرضيتمونى ورضيت عنكم، فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطى الله عز وجل هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان”.

نعم انقضى شهر رمضان وقد زاد ارتباط المسلم بالقرآن العظيم تلاوة وحفظا وتدبرا، مع التنافس فى فعل الطاعات، والاستزادة من أداء القربات والنوافل، والإكثار من عمارة بيوت الله بالجماعات والتراويح والاعتكاف، مع بذل الصدقات والزكوات ومواساة المحتاجين. ولا ريب فإن ذلك ثمرة ناضجة من ثمرات عبادة الصوم التى تتجلى مقاصدها فى تزكية النفس ومجاهدتها، حتى يتحلى المسلم بمعانى التقوي، التى من أجلها شرع الله تعالى الصوم، قال سبحانه:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: 183]. ويتجلى من ذلك أن المقصود من هذه المواسم والأوقات المشهودة بالخير والبركة أن يتخذها المسلم محطات يتزود منها معانى الإخلاص لله والاجتهاد فى العمل والمحافظة على الوقت والتخلى عن الأخلاق السيئة، ثم منها تمتد معه تلك القيم إلى الأوقات الأخري، ولا يحصر فعل الطاعات ومعايشة ذلك على تلك المواسم، فإذا انتهت انقطع عن فعل الخيرات.

ومن ثَمَّ يتخذ صاحب البصيرة من نفسه قدوة عملية فى مجاهدة النفس والشيطان عن الملهيات والموانع التى تعوقه عن المداومة على فعل القربات والطاعات على مدى عمره، فإنه بمقدوره أن يفعل فى غير رمضان ما فعل فيه من الخير والعبادة، كذلك كما أمسك المسلم فى رمضان عن المفطرات واجتنب كل ما يفسد الصوم من الأقوال والأفعال، وابتعد عن الوقوع فى مواطن الإثم، وراقب الله تعالى فى السر والعلانية، فخرج من مدرسة الصيام طيب النفس، حسن الخُلُق، ومن ثَمَّ يمكنه أن يمسك ويجتنب ويبتعد فى غير رمضان ما أمكنه فيه، وكذلك استوى عنده السر والعلن فى رمضان، فيمكنه الثبات على ذلك بعده بدليل حصوله فى رمضان، ولا يخفى أن ترسيخ هذه المعانى يحقق صلاح الأمة والمجتمع، وهى من مقاصد عبادة الصوم التى تقوم بغرس هذه الأخلاق النبيلة فى أفراد الأمة فردًا فردًا.

وليعلم المسلم أن مواسم الخير ليست محصورة فى أيام شهر رمضان ولياليه، بل هى مبثوثة فى الأوقات والأيام على مدار العام، كالصلاة إلى الصلاة، ويوم الجمعة، والستة أيام من شوال، والعشر الأُول من شهر ذى الحجة، وهناك يوم عرفة ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان والثلث الأخير من كل ليلة، وقد ندبنا النبى صلى الله عليه وسلم إلى طلب الخير طول الدهر، فعن أنس بن مالك، رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله عز وجل نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله عز وجل أن يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم”. وبذلك يعلم المسلم أن فعل الخير وأداء الطاعات شأنهما الاستمرار والدوام، فإن الخير والطاعة من المطلوبات على الدوام كالإنفاق فى سبيل الله وإطعام الطعام ومواساة المحتاجين وسد حاجتهم من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالي. فليأخذ كل مسلم نفسه بالجد والاجتهاد وليتحل بالأخلاق النبيلة وليتمسك بالمداومة على أنواع الخير والبر التى طرقها فى شهر رمضان، ولا يتكاسل عن ذلك بحال، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.