.
.
.
.

إرهابي نيس ليس تونسياً

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

الأعمال الإرهابية فظيعة كلها ولكن بعضها يصيب بالكآبة بسبب طريقة تنفيذها الوحشية. أحدها كان إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة وبعدها قتل توأمين في السعودية لأمهما بالسواطير، وآخرها كانت عملية الدهس المروعة التي قام بها محمد بوهلال في مدينة نيس الفرنسية.
من الصعب أن تشاهد المقاطع المصورة عن الحادثة بدون أن تتخيل أنك مكانهم. جموع من الناس السعيدة مع أطفالهم يتفاجأون بشاحنة تزن 21 طنا تهرسهم بكامل سرعتها وعلى مسافة 2 كم. مأساة أن يتعرض أي إنسان لمثل هذا المصير ويخسر حياته لأن شخصا فاشلا قرر الانتحار.

قرأت تعليقات بعض الإخوة التونسيين المستاءة من كون مرتكب المجزرة تونسي. ولكن يجب أن لا يلوموا أنفسهم. بوهلال لم يرتكب جريمته لأنه تونسي بل لأنه إرهابي فقط. ونفس الشيء مع السعودي والعراقي أو اللبناني وغيرها من جنسيات العالم. الهوية الوطنية لا تحرض على الخطيئة أو الجريمة، بل نبيلة بطبيعتها لأنها تصهر الناس من أعراق وأديان مختلفة في روح واحدة. تشحن الشخص بعاطفة بحب بلاده والذود عنها وليس تخريبها.

تعرض السعوديون لمضايقات كثيرة بعد تفجيرات سبتمبر وكأنهم من قام بإرسال الانتحاريين الـ15 السعوديين. الإرهابي له هوية واحدة هي الهوية الإرهابية. يعيش الإرهابي في عالم يشكله عتاة الإرهابيين ويعد نفسه جندياً خادما لهم ومؤمنا بقضيتهم وحلمه الوحيد تحقيق أهدافهم المدمرة.الجواز الذي يحمله يصبح بعدها مجرد ورقة لاقيمة لها.

عدم إلقاء اللوم لا يعني أن لا نتحمّل المسؤولية الأخلاقية والفكرية عما حدث من أجل معالجة جوهر المشكلة حتى لا تتكرر. الحقيقة أن العكس هو بالضبط ما يحدث كل مرة. في قضية بوهلال تم الهروب كالعادة نحو أعذارعديدة منه أنه لا يصلي ويأكل لحم الخنزير ولهذا لا يمكن أن يكون مسلما.

بالطبع النية طيبة وهي تبرئة فعلته الشنيعة من الإسلام، ولكن من قال إن لها علاقة بالإسلام كدين روحاني وأخلاقي. ومن قال أيضا إن التعاليم السامية للرسول الكريم لها علاقة بما يردده الدعاة المتطرفون على الشاشات ويأخذون مقابله الملايين.

المشكلة الحقيقية في الفكر الديني المتطرف والمتغلغل في الثقافة والذي لا علاقة له بالإسلام ولكنه يؤثر على معتنقيه. هذا الفكر هو الذي يحول الشخص إلى قنبلة انتحارية تنفجر وتأخذ معها الأبرياء. والحديث أنه لا يصلي لا يعني أن مخيلته لم تكن متطرفة وسوداوية وعديمة وتريد الخلاص من هذا العالم البائس بنظره. بسهولة فائقة يتم تأثيمه وتحويله لوحش عديم الرحمة لا يهتز فيه عصب وهو يطحن أجساد الأطفال الصغيرة بشاحنة نقل البضائع. هذا ليس استثناء بل ظاهرة تكررت. محمد عطا عاش في الغرب سنوات وهو ينجسه بداخله وانتحاريو فرنسا سكيرون ومدمنون تحولوا فجأة إلى داعشيين. مبعثهم فكري إيديولوجي وليس "مخدراتي".

معالجة هذه الورطة ليس بالهروب الطفولي والتعذر بأنه لا يصلي بل بمعالجة الإيديولوجيا المتطرفة التي تحركه من الأعماق وقد تستيقظ في أي لحظة حتى لو بدا خارجيا أنه بعيد عنها.

ترددت الأعذار مجددا بأن التهميش هو السبب. والحقيقة أن هذه حجة غير منطقية وتعارض الواقع. إذا صح أن التهميش هو السبب لماذا لا يرتكب مثلا السود في أمريكا، وهم من يعتبرون أنفسهم مضطهدين ومهمشين، عمليات إرهابية واسعة بحق البيض. المهمش والفقير والمعدم لا يرتكب مجازر. لو كان هذا صحيحا فإن التفجيرات الإرهابية التي يرتكبها المهمشون والفقراء حول العالم لن تتوقف لحظة واحدة.

هناك من قال بأن صراع الهوية السبب وهو عذر غير متماسك أيضا، ليس صحيحا لأن الإرهابيين في البحرين أو المغرب -مثلا- لا يعانون من صراع الهوية وهم يعيشون بين أبناء بلدهم. أعذار كثيرة نرددها تعرقل حل المشكلة بدل أن تحلها.

ليس عيبا أن تمر مجتمعات معينة بأزمات تاريخية خانقة تنتج عنها عقائد فكرية شريرة ودموية. في عام 1572 ارتكب الكاثوليك المتعصبون في فرنسا مذبحة سان بارتيليمي بقتلهم أكثر من 30 ألف بروتستانتي. ولكنهم تجاوزوها لأنهم واجهوا المشكلة مباشرة حتى حلوها ودفنوها بعد ذلك في رمال التاريخ. وهذا ما يجب أن نفعله حتى لا نرى مطاراتنا ومساجدنا تفجر وأطفالنا يقتلون وهم في قمة سعادتهم!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.