.
.
.
.

التجسس على الأصحاب

محمد بن إبراهيم الشيباني

نشر في: آخر تحديث:

فنون أحمد بن طولون وعجائبه في التجسس وتنوعها لا تنتهي، وتحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب. ومع ما كان يفعله من أمور قد يراها الآخرون مذمومة وقبيحة، لكنها أصبحت اليوم قواعد وفناً من فنون المحافظة على كيان الدولة وأسرارها ودفع الأشرار بها والمعتدين.
وهذه رواية أو حكاية جديدة مما نقل عنه، نلقي الضوء عليها للفائدة. وهي تجسس ابن طولون على أحد أصحابه.
من ذلك ما حدث به الفارسي، وكان من ثقاة أصحاب أخباره، وخاصاً به جداً. قال: دعاني أحمد بن طولون يوماً فقال لي: ويحك قد خفي عني أمر فلان (رجل كان من أصحابه الأتراك). وقال لي: من العجب أن يضبط نفسه، ولا يظهر شيئاً من أمره، فابحث لي عن حاله، والطف في ذلك. فمضيت إلى داره فجلست ناحية، وسألت من قرب من جواره عنه، فعرفت أنه يركب في كل يوم، ويُغلق باب داره فلا يُفتح، ولا يقربه أحد إلى موافاته، فإذا وافى ونزل أغلق فلم يخرج منه أحد ولم يدخل إليه أحد إلى غد يومه، فإذا ركب كانت تلك سبيله على هذا دائماً.
فلما كان غد يومي صرت إليها ومعي حمال، ومعه ما أجلس عليه وآكله وأشربه ليومي، فدخلت الدار وغلقت علي بابها، وصعدت إلى سطحها فتأملته وإذا فيه موضع أشرف منه فأرى قاعة التركي وبعض مجلسه، ولم أسمع له حساً فعلمت حركته، أشرفت، فرأيته وقد دخل مجلسه، فأكل وشرب وكان الوقت صيفاً (والقصة طويلة)… فجاء وقت العصر وقد كنس المكان ورش بالماء وفرشت الحصر، وخرجت جارية في نهاية الحسن والجمال وخرج التركي فجلس على المطرح فغنت الجارية وهو يشرب حتى ثمل، فأخذ يقول لا صبرت على ابن طولون، فقالت الجارية: دع عنك هذا ما لا تحتاج إلى ذكره، وما ضبط نفسه فقال: ما أدري أي قتلة أقتل هذا العاصي الملعون، فزاد في الشراب وسماع غناء الجارية فقال لها: ويحك لا صبرت على هذا العاصي، ولأدخلن إليه غداً وآخذ سيفي هذا، ثم جرد سيفه وهب واقفاً وقال: ولا ازال أضربه هكذا وهكذا.. أشتفي منه قلبي هكذا.. حتى نام، ونمت موضعي.
ولما كان السحر بكرت لابن طولون وعرفته بما جرى، وتبينت بغيظ في وجهه… فجاء الرجل واستدناه إليه ثم قال: يا هذا أسأت إليك قط؟ قال لا أيها الأمير. قال: أليس أنا أدر عليك أرزاقك وجراياتك وأرزاق من معك؟ قال نعم. قال: ولا أخليك في الأوقات من صلة وجائزة؟ قال: نعم. قال: فبأي حال استوجبت منك أن تفعل كذا وكذا، وعرفه ما عرفته.. فقام التركي قائماً: اسمح لي حماقة النبيذ من الناس إذا هم شربوا. فضحك ابن طولون فأمر له بخمسمئة دينار وأخرجه إلى طرطوس. والله المستعان.

*نقلاً عن "القبس" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.