.
.
.
.

الغريمان.. كولن وأردوغان

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

■ بديع الزمان النورسى إمام صوفى تركى أعاد التدين والإيمان إلى تركيا العلمانية المتطرفة، أما أربكان فهو الأب الروحى للإسلام السياسى التركى، ويعد فتح الله كولن الأب الروحى للإسلام الاجتماعى والحضارى، أما أردوغان فهو الأب الروحى للديمقراطية التركية المحافظة التى لا تصطدم مع قيم المجتمع وتقاليده وتعاليم دينه.
■ وهؤلاء جميعا شربوا من معين واحد، وتضلعوا منه ولكن لكل منهم وجهته فى الإصلاح وقبلته نحو تطوير تركيا الدولة والمجتمع.

■ وقد كان «كولن» الذى قارب على الثمانين الآن بمثابة الأستاذ والرائد «لأردوغان» فى شبابه، ولكن السياسة فرقت بينهما كما فرقت بين كل الأصدقاء والأحبة حتى قتل المأمون شقيقه الأمين، وقتل عبدالرحمن الداخل تلميذه الذى أدخله الأندلس، وانتحر أو نحر عامر فى عهد صديق عمره ناصر، وباع ضباط الثورة أستاذهم نجيب بثمن بخس وأهانوه بقسوة.

■ كولن حظى بأجمل الألقاب فى تاريخ تركيا قبل أن يصطدم بأردوغان، لقبوه بـ«الواعظ المتجول» و«الدرويش العملاق» و«خومينى الأتراك» و«صاحب العولمة الإسلامية الجديدة».

■ كانت كتلة أتباعه التصويتية فى الانتخابات تبلغ 7% من إجمالى تصويت تركيا تصب لصالح حزب أردوغان، تفرغ كولن لخدمة المجتمع دون الدخول فى السياسة.

■ أطلقوا على مؤسساته اسم «جماعة الخدعة»، رفض بذكائه أن يسمى أتباعه بأى اسم هروبا من الاستقطابات والصراعات والخلافات، اهتم بالعلم والتعليم، ألف 60 كتابا ترجمت إلى 30 لغة، أسس 300 مدرسة فى تركيا و200 خارجها انتشرت من تنزانيا وحتى الصين، وأكثرها فى ولايات الاتحاد السوفيتى السابقة، وإحداها فى مصر وجميعها فى قمة الرقى، وكانوا يصدرون جريدة الزمان التركية التى كانت توزع مليون نسخة، وكانت تترجم إلى عدة لغات، أغلقها أردوغان منذ فترة بعد مشاركة أتباع كولن فى مظاهرات ميدان تقسيم، وكانت لديهم عدة قنوات فضائية.

■ وقد ساعد كولن أردوغان من قبل على تحييد الجيش وإجهاض انقلابات ضده، كما أسست جماعة الخدمة بنك آسيا فليناس وهو بنك لا يهدف للربح ولا يقرض بالفائدة ورأس ماله 125 مليون دولار.

■ وجماعة «الخدمة أو كولن» تجمع بين فكرتى الصوفية والعصرية فالأولى فيها التسامح وقبول الآخر وعدم التعصب، وعندما تضاف إليها العصرية تجمع خيرات كثيرة، وهذه الأفكار هى التى جعلت كولن يقابل بابا الفاتيكان الأسبق المعتدل «يوحنا بولس» ويلتقى رجال دين يهود دون حرج.

■ أما أردوغان فقد تعلم الإسلام الاجتماعى والخدمى من كولن، وتعلم الإسلام السياسى من أربكان، وتعلم الديمقراطية المحافظة من تورجوت أوزال، وقد ساعده كولن على الانشقاق على أربكان وتطليق فكرة الدولة الضيقة عند أربكان وخلع قميصها، فقد كانت تركيا أوسع من علمانية أتاتورك وفكر أربكان.

■ لقد كان فكر«كولن وأردوغان وجول» مناسبا لتكوين دولة ديمقراطية حديثة محافظة ومتوافقة ومتناغمة محلياً ودولياً.

■ أحب الجميع نموذج أردوغان فى البداية لأن تركيا وقتها كانت تساوى «صفر مشاكل»، وكانت وسيطاً مقبولاً لحل المشاكل الداخلية التركية ومشاكل الإقليم أيضاً، تصالحت مع الجميع داخلياً وخارجياً وحلت أعتى المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى رأسها مشكلة الأكراد والأتراك، ووصلت إلى أعلى معدلات الرفاهية.

■ وبعد سنوات طويلة إذا بأردوغان يريد تقليد النظام الروسى فى تبادل المواقع الرئاسية، وتحويل النظام من برلمانى إلى رئاسى، ويتدخل فى الدول المجاورة ويخرج من نموذج الديمقراطية المحافظة المتسع نسبياً إلى نموذج آخر أضيق منه بكثير وأقرب إلى نموذج أربكان الذى طلقه من قبل، ناسياً أخطاء الأخير، ويدخل فى صراعات مفتوحة مع سوريا والعراق وإيران وروسيا واليونان وأرمينيا، ومصر، ويمارس السلطة كزعيم وليس كموظف، ويريد إطالة عمره فى السلطة أكثر مما ينبغى مما يضر مشروعه فى المقام الأول ويصطدم بجماعة الخدمة «كولن» حليفته السابقة.

■ لا شك أن أردوغان قائد عظيم ورئيس محنك وسياسى شجاع، استطاع بتليفون محمول وقناة فضائية واحدة أن يهزم هذا الانقلاب العسكرى الشرس والمنظم، ولكن عليه أن يحذر أن يكرر خطيئة عبدالناصر مع الإخوان فيوسع دوائر الاشتباه أو يأخذ جماعة «كولن» بغير حق، أو يعمم العقاب عليهم ويصادر حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويخلق صراعاً غير مسبوق بين أكبر فصيلين إسلاميين العدالة والتنمية وجماعة «كولن».

■ تعميم العقاب أو الأحكام وتصفية فصيل اجتماعى كامل سيحول تركيا من نموذج يحتذى إلى دولة شرق أوسطية، وقد يحول جماعة «كولن» تحت الضغط إلى التشدد أو العنف.

■ أردوغان قائد عظيم ولكن البقاء الكثير فى السلطة يضر الحاكم والدولة والمشروع والنموذج.

■ بين قهر الحاكم لخصومه السياسيين وقهره لشعبه ووطنه شعرة دقيقة لا يراها الحكام أبداً، وخاصة التى تطول مدتهم فى الحكم عن 8 سنوات.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.