المهرولون وراء السراب التركي

طلال عبد الكريم العرب

نشر في: آخر تحديث:

كم كنا نتمنى كعرب أن نكون ضمن التطلع التركي واهتماماته، الا أن تركيا ولسنوات طويلة كان همها الحفاظ على مصالحها القومية عن طريق تحقيق الحلم التركي المعلن منذ أتاتورك وحتى أردوغان وهو كما أراه: الهرولة وراء القبول أوروبيا وليس عربيا.

الملاحظ أن هناك الكثير من العرب انجرفوا عاطفيا وراء السيد اردوغان ومواقفه الجياشة المعلنة تجاه القضية الفلسطينية والمعارضة السورية، وهناك كثيرون توقعوا أن تكون تركيا هي الحليف المناسب للعرب ضد إيران التي وجدت الساحة ليست خالية أمامها فحسب، بل وممهدة من أجلها، الا أن تركيا لم تلق بالا للمهرولين وراءها.

فالسيد اردوغان سياسي محنك وقومي مخلص، نجح في تحويل بلده الى رقم مهم في الاقتصاد العالمي، وهو يعي تماما أين تكمن مصالح بلده، ويعرف كيف يحافظ على علاقات متوازنة مع الكتلتين الشرقية والغربية، ومن كان يظن أن فلسطين أو الشعب السوري هما أول اهتماماته فهو واهم، وخاصة بعد محاولة الانقلاب عليه، وقد أعلن فعلا بأنه سيركز على الداخل التركي، وسيبتعد عن أزمات المنطقة، التي هي أزماتنا، وسيواصل تطبيعه مع روسيا وإسرائيل، ومن يضمن الجانب الإسرائيلي فقد ضمن أمن الجانب الأميركي، وهذه حقيقة لا شك فيها.

ولهذا، فقد تكون صدفة أن سبق أردوغان الانقلاب بتقديمه اعتذارا رسميا مفاجئا للرئيس الروسي عن اسقاطه للطائرة الروسية في نوفمبر 2015، وكذلك مسارعته الى تحسين علاقاته الفاترة مع إسرائيل بتوقيعه على اتفاق تاريخي يطبع العلاقات مع الصهاينة ستكون نتائجه مهمة ومفيدة للطرفين، من دون منح تسهيلات لحركة حماس ولا رفع للطوق الأمني على قطاع غزة، وفي الوقت نفسه فهناك تجاهل تام للعرب ولمصر ولثقلهم الإسلامي.

الحقيقة أن ما يدعو الى الأسى أن هؤلاء المهرولين وراء السراب اخذوا بنجاح أردوغان الباهر اقتصاديا وسياسيا، ولكنهم لم يستوعبوا أن هذا النجاح سببه أن أردوغان رجل دولة ورجل مرحلة، عرف كيف يوازن ما بين مصالح بلده القومية وبين المصالح الدولية، وكانت مأساة حقيقية ما حدث أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي عندما تبارى الحضور العرب بكيل المديح لاردوغان بعد أن نصّبوه بخطاباتهم المجترة خليفة للمسلمين، وكانت صفعة مؤلمة لهم تلك التي وجهها المتحدث الرسمي التركي للمهرولين وراء السراب التركي، مستنكرا شعاراتهم الرنانة المضرة بتركيا وبمصالحها القومية مع الغرب تحديدا.

فمتى يعي إخواننا بأننا نعيش زمن المصالح القومية، فقد ولى زمن الكلام الفضفاض والهرولة وراء كل رافع لشعار؟ فلسطين ستتحرر، والنظام السوري سيسقط، وإيران ستجبر على الانكماش الى حجمها الطبيعي عندما يعي العرب بأنهم هم الذين يجب أن يأخذوا بحقهم لا أن يهرولوا وراء كل سراب.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.