.
.
.
.

صِدام الحضارات..والمواجهة المفتوحة

عبدالله الشايجي

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن الشرق الأوسط على صفيح ساخن وذلك جراء الأحداث الخطيرة التي وقعت خلال الشهر الحالي. والتي تضمنت أعمال عنف وتفجيرات. وبعد مرور عامين على الحرب على تنظيم «داعش» وعام على اتفاق إيران النووي وخروقات وتجاوزات إيران، وضرب «داعش» في الكرادة في العراق وفي المدينة المنورة وشرق السعودية، ولاحقاً في «نيس»، ومقتل 84 شخصاً في أكبر عملية إرهابية في فرنسا بعد العمليات الإرهابية في باريس في ديسمبر الماضي، والتي أودت بحياة 130 شخصاً لتضرب في قلب أوروبا، ما دفع الرئيس الفرنسي الذي كان يتجه لرفع حالة الطوارئ إلى تمديدها لستة أشهر أخرى.

والآن تجري عملية يبدو أنها إرهابية في ألمانيا في مجمع تجاري تحمل بصمات تنظيم إرهابي هو الأقرب إلى «داعش»، وهناك عملية إطلاق نار ثانية جرت بموقع آخر في ميونيخ أيضاً! وقبل ذلك بأيام قام شاب أفغاني بطعن بعض ركاب قطار في ألمانيا وأصاب أكثر من 10 أشخاص، ودفع إلى انتقادات كبيرة لسياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، وسياستها المتساهلة في قبول اللاجئين، والذي وصل عددهم خلال عام نحو مليون لاجئ ومهاجر.

وقبل ذلك كان اعتداء النادي الليلي في أورلاندو في الولايات المتحدة الأميركية. وبعده في «نيس»، وفي كل الحالات تدعي «داعش» مسؤوليتها عن تلك الهجمات الإرهابية، بالرغم من أن المسؤولية لا تتعدى التوجيه وليس الدعم المالي والسلاح، ولكن هذا ما تريده «داعش» للرد على الحملة الكبيرة التي تواجهها من 65 دولة وروسيا، وتلك الدول عقدت اجتماعات لوزراء الدفاع والخارجية في واشنطن للتنسيق لهزيمة «داعش»، والتحضير لعملية تحرير الموصل، ما سيفقد «داعش»، التي خسرت نصف حجم الأراضي التي سيطرت عليها خلال العامين الماضيين في العراق وسوريا، بعد سلسلة الخسائر التي لحقت بها في تدمر وتكريت والرمادي وآخرها في الفلوجة.

وهكذا بات الغرب يدفع ثمناً باهظاً في أميركا وأوروبا، ثمن فشل سياساتهم في الشرق الأوسط وتسييس المواقف. قلنا منذ سنوات إن عدم حسم الجرح المتقيح والنازف في سوريا وعدم وقف وحش الطائفية المستشري الذي يغذي التطرف والمتطرفين من توظيف نتائج تلك السياسات التي يشرف عليها ويهندس الغرب مخرجاتها. وفي أحسن الأحوال يبقى مقصراً ويفشل في لجم وحش الإرهاب والتطرف والتناحر في بركان الشرق الأوسط. وفي أسوأ الأحوال الغرب ضالع ويدير الأزمات في الشرق الأوسط، ولا يحلها خدمة لأجندات ومشاريع.

من المعيب أن نرى المواطن الغربي يسقط قتيلاً ويتراكض الناس في شوارع باريس ونيس وبروكسل وميونخ وأورلاندو، بسبب فشل سياسات الغرب في لعب دور إيجابي في حل أزمات الصراع في الشرق الأوسط وخاصة في سوريا. وهذا بدوره يسعر ويؤجج المواجهة. ويخدم التطرف والمواجهة والتي تُفهم بأنها صراع للحضارات وبين الإسلام والغرب بينما الواقع غير ذلك!.

وقد استغل المرشح «الجمهوري» لمنصب الرئيس دونالد ترامب، خطاب قبوله لترشيح الحزب «الجمهوري» له مساء الخميس الماضي، في تسييس المواقف وتسجيل نقاط ضد الرئيس أوباما ومنافسته «الديموقراطية» هيلاري كلينتون، وعد بإعادة النظام والأمن إلى الولايات المتحدة، وانتقد «ترامب» إرث إدارة أوباما، بعد أن فقدت الولايات المتحدة هيبتها في الخارج، وخاصة دور وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي ساهمت بسبب فشل سياستها الخارجية في وجود «داعش»، وصعود «الإخوان» المسلمين في مصر.

وتوعّد «ترامب» بأنه إذا فاز بمنصب الرئاسة سينجح بهزيمة «داعش» التي انتشر إرهابها حول العالم، وسيقوم باجتثاث ما يسميه بـ«الإرهاب الإسلامي». وهذا الوصف أصر أوباما على عدم استخدامه للتوصيف، لأن كما يقول أوباما وكثير من قادة أوروبا بما فيهم «تريزا ماي» رئيسة الوزراء البريطانية الحالية ووزيرة الداخلية السابقة، بأن تنظيم «داعش» ليس تنظيماً إسلامياً و«داعش» ليست دولة. وهذا للأسف ما يكرره ويخدم اليمين الأميركي ممثلاً بترامب و«اليمين»الأوروبي ممثلاً بـ«مارين لوبان» في فرنسا وأحزاب اليمين في فرنسا والنمسا والدول الإسنكدنافية، ما يخدم مشروع «داعش» الذي تدّعي الانتصار للمسلمين الذين يتعرضون للتهميش والإقصاء. ولكن الواقع أنه عكس ذلك. ما تقوم به «داعش» والتنظيمات الإسلامية المتطرفة يسيء إلى المسلمين كمواطنين أوروبيين وأميركيين، حيث يتعرضون للتشكيك والتخوين والطعن في وطنيتهم، ناهيك عن استهدافهم وربما إيذائهم والتعرض لهم ولأبنائهم!

حيث اختطف تنظيم «داعش» الدين الإسلامي بأسره، واختطف معه مليار وسبعمائة مليون مسلم، ليسعر كما حذر منه قبل عقدين من الزمن المفكر والباحث الأميركي الراحل صموئيل هنتنجتون، بالمواجهة القادمة بين الغرب والإسلام. وذلك كان قبل ظهور «القاعدة» وبعدها ومعها التنظيم الأكثر تطرفاً ووحشية، تنظيم «داعش».

والواقع أن المسلمين لا يريدون حرباً وصداماً للحضارات مع الغرب. ولكن طالما لم تغير الأنظمة في الغرب مواقفها وتنتهج سياسة تتصدى للتداعيات الخطرة التي تطغى على المشهد في المنطقة، وعلى رأسها حل الأزمة الأهم وهي القضية الفلسطينية ووقف التغطية على جرائم إسرائيل واعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، وفي ظل عدم حل الصراع المتفجر والدامي في سوريا، ووقف تفجر وتأجيج الفتنة الطائفية، التي تتصاعد بشكل غير مسبوق وتغذي المتطرفين من المذهبين السُني والشيعي، فإننا سنبقى نواجه هذه المأساة المؤلمة. وسيبقى المواطن الغربي لا يشعر بالأمن ويركض مذعوراً في مدنه. وسيعود من تجندوا للقتال في سويا والعراق ليمارسوا إرهابهم في مدنهم في الغرب. وهذا ما يجب أن يحفز الحكومات الغربية على تغيير السياسة الفاشلة أو المتواطئة التي ينتهجونها..والتي لم يعد ضحاياها من العرب والمسلمين فقط!

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.