.
.
.
.

مختل عقلي ومتطرف فكري

حمد الكعبي

نشر في: آخر تحديث:

محاولات فاشلة من شباب يائسين وبائسين يستهدفون أوروبا ومدنها بالترويع باسم الإسلام والإسلام منهم براء، فلا هم يمثلون الإسلام دين السلام، وليست لديهم أدنى معرفة بالإسلام وتعاليمه الوسطية المعتدلة السمحة، ولم يعيشوا بين المسلمين أصلاً ولم يتربوا بينهم، وكثير منهم عُرفوا بالانجراف وراء أسوأ أنواع الانحراف السلوكي منذ نعومة أظافرهم.

ولطالما انتهز هؤلاء الأشقياء أي فرصة للخروج على القانون بعد خروجهم على الأخلاق والأعراف والأديان، وسعوا لتنفيذ مآربهم الخبيثة وأهدافهم العدوانية وتعليقها على شماعة الإسلام، وهم في معظمهم مشرَّدون متسكعون في شوارع أوروبا وسككها، ولديهم سجلات جنائية، وجرائم مسجلة في محاضر الشرطة، وبعضهم أمضى أحكاماً بالحبس سنين عدداً، بسبب إجرامهم وجنوحهم وخروجهم على القانون في الدول التي عاشوا فيها وضمتهم هم وأهاليهم، وأحسنت إليهم فبادلوها الإحسان بالإساءة، وهذا على العكس تماماً مما نصت عليه أحكام الإسلام السمحة ومقاصده السامية.


ووراء كل عمل إجرامي غادر يستهدف الآمنين يظهر المحللون، فالبعض يصنّفونهم من ضمن الإرهابيين وآخرون يحسبونهم من فئة المختلين عقلياً، فما الفرق بينهما ما دام كلاهما خطّط وحمل سلاحاً ضد أناس أبرياء؟!

ولو أُجري تحليل نفسي واجتماعي لهم لتوصل البحث إلى كشف حقيقتهم الضالة كونهم في معظمهم شباباً محبطين ضائعين، أصحاب ميول انتحارية مرَضية ويمكن التلاعب بهم بسهولة، من قبل أي تشكيل عصابي أو عصابة إرهابية، عبر وسائل التواصل واستدراجهم والتغرير بهم بكل يسر وسهولة للقيام بمهام وأدوار تخدم منظمات الجريمة وتنظيمات الإرهاب، وترويع البلدان المطمئنة والشعوب الآمنة.

وحقيقة هؤلاء البؤساء لا تتعدى كونهم يبحثون عن طريقة ما للانتحار، وهذا ما وجدوه على أسوأ ما يكون، وقد كان من سوء حظهم أنهم عاشوا في مرحلة ظهر فيها ما يسمى تنظيم «داعش» الذي ليس لشراذمه عمل سوى تبني العمليات الإرهابية الخسيسة العملية تلو الأخرى تفاخراً بإجرامهم الأسود، وبخاصة بعدما تمت محاصرتهم وتقليص نفوذهم في المناطق التي نصبوا فيها راياتهم المنحوسة السوداء، وطردهم العالم وما زال يطردهم من جحورهم شر طردة.

وبذلك سعى الإرهاب الضال لاستغلال البؤساء والتعساء والمرضى النفسيين ومحاولة استغلال إحباطهم وضياعهم لتجنيدهم للفتك بالمدنيين والأبرياء الذين ليست لهم علاقة ولا ناقة ولا جمل في كل تلك الدعاوى التي يرفعها أولئك الغلاة والغوغاء. واليوم يفرض التحدي على الدول الأوروبية أن تدفع فاتورة باهظة الثمن لمجابهة الإرهاب، والحفاظ على الأمن، وضبط النفس لعدم الانجرار في وحل شيوع الذي يريد نشره الإرهاب الذي بات اليوم يستهدفها من كل حدب وصوب.

إن الجماعات الإرهابية تحاول الضغط على الدول الأوروبية بعد فتحها المجال لمئات الآلاف من اللاجئين الذين فروا من العنف والقصف في بؤر الصراعات والنزاعات، ونفذوا بأرواحهم من المصير المحتوم الذي كان يتهددهم، ومن نار الحروب في بلدانهم المشتعلة.

ولعل الحوادث الأخيرة التي ضربت مدناً أوروبية -بغض النظر عن تصنيفاتها- جميعها إرهابية استهدفت الأبرياء وروّعت المدنيين، وليس هناك مجال لانتظار حوادث أخرى أو مصائب كامنة بسبب متطرفين أو مختلين عقلياً ينبغي أن تتضافر الجهود بين الشرق والغرب ويتم تتبع كل من تظهر اهتماماته بالإرهاب أو بأحد أشكاله عبر الإنترنت والتواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه وصل الحال ببعض الدول الأوروبية لإغلاق حدودها مع الدول الأخرى حتى لا تقع في مصيدة العناصر المتطرفة المندسة. والمتطرفون منفذو العمليات العدوانية في أوروبا، يُعرف عنهم، باعتراف ذويهم وأصحابهم، أنه ليست لهم علاقة بالدين الإسلامي وبعضهم لم يصلّ في حياته، والبعض آخر لا يعرف ماهية الإسلام ولا أصوله، وكل ما في الأمر أن دافعهم الأول والأخير هو رغبتهم المنحرفة في إلحاق الضرر بالبلدان التي يعيشون فيها.

ولا شك أن أوروبا في حاجة إلى مقاربة أكثر شمولية وفاعلية لصد خطر التطرف والإرهاب، وأولها طبعاً تقوية التدابير الوقائية، بما فيها تدابير انتشال كثير من الشباب من دوامة العنف والجريمة والضياع، وإعادة تأهيلهم مهنياً وتربوياً وحتى نفسياً. ولا بأس أيضاً في تجريب برامج مشابهة لبرامج المناصحة والتأهيل التي جربتها بفاعلية بعض الدول العربية. وكذلك يلزم إيلاء الاهتمام لبرامج تأهيل ديني وثقافي واجتماعي، هذا فضلاً عن البعد النفسي لمعرفة الأسباب التي تدفعهم للانخراط في الأعمال العدوانية والعدمية، وسد جميع القنوات والأبواب التي قد تفتح لهم مجالاً للاتصال بالمنظمات الإرهابية التي تدفعهم وتقنعهم بارتكاب جرائم بحق الأبرياء، بل بحق الإنسانية كلها.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.