.
.
.
.

بدلاً من انتظار المجهول!

مكرم محمد أحمد

نشر في: آخر تحديث:

يعرف المصريون جميعاً أن التحدى الأكبر الذى يواجه حياتهم يتمثل فى الأزمة الاقتصادية الصعبة التى تعيشها البلاد، وتتفاقم آثارها السلبية على كل مناحى الحياة وقطاعاتها، تقلص موارد الدولة وتزيد عجز الموازنة، وتقلل قدرة المجتمع على مواجهة مشكلات البطالة والغلاء، وتزيد من تراكم المشاكل وتعقيدها ابتداء من مشكلات النظافة إلى خدمات الصحة والتعليم والمرافق العامة التى تنهار تباعاً لعجزها عن توفير كلفة تشغيلها.

وبرغم أن مصر حققت خلال هذا العام معدل نمو وصل إلى 4.4% يمكن أن يرتفع فى العام المقبل إلى حدود 5% أو تزيد قليلاً، إلا أن خدمات الصحة والتعليم والمرافق تتدنى إلى حدود غير لائقة، بينما ينهض نوع جديد من الخدمات الموازية يقوم بها القطاع الخاص أكثر كلفة وأقل جودة تكاد تشكل نظاماً موازياً، تتمثل فى مراكز الدروس الخصوصية التى أصبحت نظاماً موازياً للتعليم الحكومى لكنه أكثر كلفة بكثير، يدفعها المواطن راضياً أو مرغماً رغم أنه كان يتأفف من زيادة محدودة فى رسوم المدرسة الحكومية، كما يتمثل فى مجموعات واسعة من المستشفيات الخاصة لا يتوافر فيها الحد الأدنى من ضمانات السلامة، بدلاً من مستشفيات حكومية كانت ذائعة الشهرة لجودة خدماتها مثل المبرة والجمعية الخيرية الإسلامية والمستشفى القبطى، ومع الأسف انهارت خدمات معظم هذه المستشفيات لعجزها عن توفير تكاليف إنفاقها، لأن عائد الخدمات جد متواضع قياساً على حجم الإنفاق.

وباختصار شديد فإن جوهر مشكلتنا الاقتصادية أننا ننفق بأكثر مما نكسب، ونستدين بأكثر من قدرتنا على السداد، ونستهلك بأكثر من قدرتنا على الإنتاج، فقط نعيش اللحظة ولا نفكر فى الغد، نسأل عن دور الدولة والحكومة ونغفل عن دور الفرد والمواطن، ونملك موازنة متواضعة تتوزع على ثلاثة أثلاث طبقاً لما أكده لى المهندس شريف إسماعيل، رئيس مجلس الوزراء، ثلث الموازنة (230 مليار جنيه) يذهب لسداد خدمة الديون يشكل 31% من حجمها وثلثها الثانى (210 مليارات جنيه) يذهب إلى الدعم بنسبة تصل إلى حدود 22% من الموازنة، والثلث الأخير يذهب للأجور (230 ملياراً) بنسبة 24%، والأثلاث الثلاثة (خدمة الدين والدعم والأجور) تشكل 77% من حجم الموازنة التى لا يتبقى منها سوى 230 مليار جنيه تذهب للإنفاق على خدمات الصحة والتعليم والمشروعات، ويكاد عجز الموازنة يصل هذا العام إلى حدود 11% تتم تغطيتها من خلال الاقتراض، تأمل حكومة المهندس شريف إسماعيل أن ينخفض إلى حدود 9.9%.

هذه هى أبعاد الصورة فى واقعها الصحيح كما ترسمها الأرقام بعيداً عن الأمانى والشعارات، تكشف عن نقص حاد فى الموارد يقابله ارتفاع متزايد فى الإنفاق، وزيادة ضخمة فى معدلات الاستيراد من الخارج، لأن المصريين رغم ضائقتهم الاقتصادية لا يستوردون فقط المواد الأساسية الضرورية المتمثلة فى الدقيق والزيت والسكر والآلات وباقى السلع التى يحتاجها غالبية المصريين، ولكنهم يستوردون كل ما هو ترفى يدخل فى نطاق الكماليات التى يمكن الاستغناء عنها، ويكفى أن نعرف أنهم أنفقوا الموسم الماضى مليارين من الدولارات على ياميش رمضان ومليارات أخرى على سلع استفزازية لا ضرورة لها حتى بلغ حجم الاستيراد أرقاماً فلكية تتجاوز 70 مليار دولار، بينما تهبط صادراتنا إلى الخارج إلى حدود جد متواضعة تجسدها أرقام مخجلة لا تتجاوز 20 مليار دولار، منها 17 مليار دولار صادرات بترولية والباقى صادرات سلعية، بينما نجحت دول أخرى أقل حجماً واقتصاداً وسكاناً فى تصدير أضعاف ما يصدره المصريون إلى الخارج!

ومع الأسف تقف الدولة والحكومة والمصريون شعباً ومجتمعاً مدنياً فى موقف الانتظار، يعلقون آمالهم على عودة السياحة التى كانت تدر ما يربو على 13 مليار دولار دون أن يفعلوا شيئاً يساعدهم على مواجهة أوضاعهم الاقتصادية المتفاقمة، فقط يتنسمون الأمل فى بضع كلمات غامضة تأتى على لسان مسئول روسى أو مصرى فى سياق تصريح عابر لا يلبث أن تذهب أصداؤه أدراج الريح، ليعيدوا الكرة مرة أخرى إلى أن اكتشفوا أخيراً أن فى الأمر (إنة) وأن للروس مطالب سياسية وأخرى تجارية مقابل عودة السياحة، وأن ما أنجزه المصريون من إجراءات واحترازات فى مطاراتهم لضمان أمن وسلامة الركاب والبضائع، بحيث لم تعد مستوياتها تقل عن إجراءات الأمن فى أى مطار دولى ضخم مثل فرانكفورت وباريس ولندن، وجميع هذه المطارات قد تعرضت لعمليات إرهابية أسفرت عن ضحايا عديدين دون أن يترتب على هذه الحوادث وقف السياحة فى هذه البلاد، بما يؤكد أن لب المشكلة مع مصر يتجاوز كثيراً قضية تأمين المطارات لأن مصر جزء من منطقة ساخنة ملتهبة لا يمكن أن يسرى عليها أى قانون أو تنبؤ!

وكما قال لى المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء، فى لقاء خاص، فإن المصريين مع الأسف لا ينظرون إلى كامل الصورة ويتعجلون النتائج دون أن يسهموا فى صنعها، وبعضهم من قصار النظر يحاول تحقيق فائدة عاجلة دون حساب أثر ذلك على الاقتصاد الوطنى وعلى نفسه وأسرته ومجتمعه، مثل المئات من المصريين الذين يضاربون الآن على الدولار دون أن يدركوا أنهم يساهمون فى رفع قيمته وتعقيد مشكلته وزيادة حدة الأزمة الاقتصادية، وأنهم سوف يحصدون هذه النتائج السلبية، ومثل غيرهم كثيرون لا يضرهم فى شىء استيراد السلع الاستفزازية والكمالية، وبدلاً من أن يشجعوا الحكومة على اتخاذ القرارات الصحيحة يشهرون بقراراتها ويشكلون رأياً عاماً ضاغطاً يخترقه طابور خامس واسع يهمه إفشال الحكم وزيادة حدة مشكلاته، يفعلون كل ما فى وسعهم من أجل تخريب الاقتصاد الوطنى وإخفاء الدولار والمتاجرة بالسلع فى السوق السوداء فى إطار خطة يتبناها التنظيم السرى لجماعة الإخوان المسلمين.

وكما أخفق المجتمع المدنى المصرى فى إنقاذ خدمات الصحة والتعليم والمرافق وتركها نهباً للانهيار والتحلل لأنه رفض الإسهام فى كلفة هذه الخدمات التى لا تغطيها مواردها، وكانت النتيجة أن انهار النظام التعليمى وانهارت خدمات المستشفيات العامة، وانهارت خدمات السكك الحديدية لصالح أنشطة موازية أكثر كلفة يدفع المصريون ثمنها باهظاً، ولو أن المصريين راجعوا أنفسهم فى كلفة الدروس الخصوصية التى جاوزت قيمتها عشرات المليارات لاكتشفوا أن الحل الأفضل كان فى زيادة محسوبة لرسوم المدارس تساعد على تغطية جزء من الكلفة وتحفظ للمدارس دورها ومسئوليتها وواجبها، لكنهم مع الأسف تركوا خدمات التعليم تنهار كما تركوا خدمات المرافق تنهار وكذلك تركوا السكك الحديدية التى تبلغ تكاليف خدماتها 4.4 مليار جنيه على حين لا يزيد عائدها على 2.2 مليار، دون إدراك لمسئولية المواطن عن مساعدة الدولة على اجتياز الأزمة بقدر من الانضباط السلوكى يوفر نسبة من الطاقة، ويمتنع عن شراء السلع الاستفزازية، ويستغنى عن بعض الدعم، ويلتزم عدم التهرب من الضرائب والإقبال على شراء المنتج الوطنى الذى تتوافر فيه الآن شروط الجودة والتنوع، لأن شراء المنتج الوطنى يقلص الحاجة إلى الدولار، ويفتح بيوت آلاف العاملين ويمكن الإنتاج الوطنى من الارتقاء والتقدم فى سوق المنافسة الداخلية وسوقها الخارجية.

باختصار مطلوب من المصريين الذين يتغنون دائماً بحب مصر أن يترجموا هذا الحب إلى أفعال وسلوك مسئول، يعزز صمود مصر فى مواجهة الأزمة الاقتصادية، وبدلاً من انتظار المجهول الذى لا يأتى وربما يتأخر عن موعده يحسن بالمصريين أن ينشطوا من أجل مواجهة الأزمة الاقتصادية، يقللون حجم استيرادهم من الخارج ويمتنعون عن استيراد السلع الاستفزازية ويتحمسون لإنتاجهم الوطنى ويشجعون الحكومة على اتخاذ القرارات الصحيحة، ويبطلون عمل طابور خامس ينشط بين ظهرانينا من أجل إفشال خطط الإصلاح.

* نقلا عن "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.