.
.
.
.

تجنيد المتطرفين لطلبة الكليات العملية

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1994، وكنت في أول عهدي بالبحث في الاجتماع السياسي، قدمت دراسة إلى ندوة كان عنوانها «أوجه الشبه والاختلاف بين جماعات الإسلام السياسي» ذكرت فيها ملاحظة حول انتماء أغلب قيادات تنظيمات «الجماعة الإسلامية» و«الجهاد» و«الإخوان» إلى الكليات العملية، خصوصاً «الطب» و«الهندسة»، وطرحت سؤالاً يومها عن الأسباب التي تؤدي إلى هذا المسار، ولكن الإجابات لم تأت شافية كافية.

ولم ينشغل كثيرون بهذه المسألة من الأساس، رغم أنها تستحق العناية والدراسة، حتى جاءت صحيفة «الجارديان» لتتحدث عن طلبة الكليات العملية في تنظيم «داعش» وهنا انتفضت الصحف العربية نشراً للموضوع في إعجاب، وتعليقاً عليه بشهية مفتوحة، ثم انقضى الأمر، كأننا قرأنا خبراً طريفاً!

إن هذا أمر يجب ألا يُترك سدى، وبلا جدوى، وإنما من الضروري أن يُدرس على وجه دقيق، لنقف على الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة الممتدة في حياة العرب والمسلمين. ولا يكفي هنا أن تجمع أجهزة الأمن المعلومات عن خريجي وطلاب الكليات العملية المنتمين إلى جماعات «الإسلام السياسي» وتقول «نعرف كل شيء عنهم»، فليس هذا هو المقصود، وإنما كيف يمكن أن ننقذ هؤلاء الطلبة، ومنذ البداية، من الانسياق وراء التطرف الديني، بطرق أعمق وأشمل من مجرد المواجهة الأمنية؟.

إن الإجابة عن السؤال السابق تتطلب أولاً عرض الأسباب التي تؤدي إلى غلبة نسبة المنحدرين من التعليم التطبيقي أو البحت على أعضاء الجماعات والتنظيمات التي توظف الدين الإسلامي في تحصيل السلطة السياسية وحيازة الثروة الاقتصادية، وهي في الحقيقة أسباب معقدة ومتشعبة، لكن يمكن ذكرها باختصار في نقاط محددة، أولها أن هذه الكليات، خصوصاً الطب والهندسة، تركز عليها هذه الجماعات في عملية التجنيد في صفوف الطلبة، كي تستثمر الخريجين فيما بعد اقتصادياً واجتماعياً. فجماعة «الإخوان»، مثلاً، تفتح للأطباء الجدد منهم عيادات ومستوصفات، تدر على الجماعة دخلاً وفيراً، وتمكن الأطباء من بناء رصيد اجتماعي من خلال التعامل اليومي مع المرضي، وتخصيص ساعة في اليوم أو يوم في الأسبوع للفحص المجاني، فإن زاد هذا الرصيد عند بعض الأعضاء دفعتهم الجماعة إلى الترشح في الانتخابات التشريعية، وهي تعرف قدرتهم على المنافسة.

وتضمن الجماعة أن يتحقق هذا بسهولة، نظراً إلى المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الطبيب والمهندس بين الناس، ولا سيما البسطاء منهم، ونظراً إلى الإمكانات المادية الكبيرة التي تضعها قيادة «الإخوان» في أيدي هؤلاء، الذين يشكلون عنصراً مهماً من عناصر صناعة العمق الاجتماعي لها، عبر تقديم الخدمات الصحية، حين تعجز أو تضعف قدرة الدولة على تقديمها.

والعامل الثاني هو أن الدراسات العملية تقوم على قوانين علمية محددة، وبهذا فهي لا تمنح صاحبها قدرة على المساءلة والجدل يؤتاها خريجو الكليات الإنسانية أو النظرية، وبالتالي يصبح طالب الكليات العملية مثالياً لجماعة تقوم على السمع والطاعة. وهذا العيب يتعمق في الحقيقة مع غلبة الحفظ على الفهم في نظمنا التعليمية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، فيصبح الطالب، حين يصل إلى الجامعة، صيداً سهلاً لهذه الجماعات، التي تحتاج إلى عقول منغلقة لم تتعلم الشك فيما تسمع وتقرأ، ولا تُسائل عن كل ما يجري حولها وأمامها، ولا تأخذ كل شيء على أنه نسبي.

والعامل الثالث هو أن دارسي العلوم التطبيقية يعتقدون أن العالم والمجتمع يسير على شاكلة الأرقام والنظريات والقوانين العلمية الصارمة، بما يجعلهم غير مؤمنين بالتعددية واختلاف الآراء والتوجهات وتباين المصالح، فالحقيقة العلمية واحدة، وهو أمر يريده «الإخوان» وأتباعهم ممن يزعمون أن ما هم عليه هو الحقيقة! وهو واحد لا يقبل التعدد، لأنه «صحيح الدين» و«الطريق المستقيم» و«نهج الصحابة»! وهذه الأقاويل غير العلمية تنطلي على كثيرين، مع الأسف الشديد.

والعامل الرابع يتعلق بجفاف الدراسات التطبيقية مما يجعل الدارسين في حاجة إلى ما يروى ظمأهم الروحي، وهنا تطرح الجماعات الإسلامية المسيسة تصورها لهم باعتباره الدين، وتضمن إقبالاً شديداً منهم عليه.

أخيراً، فإذا كانت هناك نسبة من طلبة وخريجي هذه الكليات قد انضمت إلى تنظيمات «الإسلام السياسي» وباتت تشكل الجزء الأكبر منها، فإن الأغلبية رزقت عوامل حمتها من الانجرار إلى هذا الطريق. وما سبق يفرض ضرورة إدخال مواد محددة للعلوم الإنسانية على طلبة الكليات العملية، فيما تدخل دراسات علمية إلى مساقات تعليم العلوم الاجتماعية، وقبل كل هذا تغيير مناهج التعليم لتقوم على ترسيخ أسس «التفكير العلمي»، فمثل هذا هو حائط الصد الأساسي أمام اصطياد الجماعات المتطرفة لطلبة الطب والهندسة والعلوم، على وجه الخصوص. كما أن على الدولة القيام بما عليها في سبيل تقديم الخدمات الصحية إلى المواطنين، وسد أي ثغرة تنفذ منها تلك التنظيمات إلى مصالح الناس مستغلة عوزهم واحتياجهم.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.