.
.
.
.

لقاء عاصف مع سيدة غاضبة

عماد الدين حسين

نشر في: آخر تحديث:


مساء يوم الأحد الماضى «٢٥ يوليو»، كنت أسير فى شارع نوبار، القريب جدا من مجمع الوزارات ومجلسى الوزراء والنواب. استوقفتنى سيدة خمسينية، وبادرتنى قائلة: حرام عليك.. اتكلم شوية عن المدرسين وأحوالهم الصعبة «الحياة بقت صعبة ولا تطاق».

قلت لها إن غالبية فئات المجتمع تعانى وليس المدرسين فقط، وعلى الأقل فإن المدرسين لديهم كنز الدروس الخصوصية الذى جعل بعضهم يتقاضى أكثر من بيل جيتس، ومن تجار الأسلحة والمخدرات، وأحدهم استأجر «ستاد» رياضيا ليخاطب فيه آلاف الطلاب!.

السيدة ردت قائلة إن كثيرا من المصريين يعتقدون أن كل المدرسين يتقاضون آلاف الجنيهات يوميا من الدروس على شاكلة إمبراطور الكيمياء والفيزياء أو زعيم الرياضيات أو فيلسوف الإنجليزية والفرنسية معا، فى حين أن معظمهم لا يعطون دروسا خصوصية خصوصا مدرسى التربية الرياضية والدين والموسيقى والرسم وجميع الإداريين والسكرتارية، وفى الريف فإن المقابل للدروس الخصوصية يكون بسيطا جدا.

كنت أعتقد أن السيدة مدرسة وتدافع عن نفسها، ثم فوجئت بأنها مديرة فى مؤسسة مهمة للغاية تقع فى شارع قصر العينى. هى أوضحت أنها تتحدث عن أوضاع المعلمين لأن عددا كبيرا من صديقاتها وأقاربها معلمات وتعرف همومهم وآلامهم.

قلت لها: حتى لو كان ذلك صحيحا، فإن هذا الوضع ينطبق على غالبية الموظفين فى مصر، ثم إن الحكومة فى أزمتها الوجودية الآن لا تستطيع أن تقوم بزيادة مرتبات أى فئة، بل ربما كان المطلوب منها أن تتقشف.

ردت السيدة ــ التى قالت إنها لا تعانى على المستوى الشخصى وأحوالها معقولة ــ بأن بعض المستشارين فى المؤسسة التى تعمل بها يتقاضى كل منهم رواتب خيالية تصل أحيانا إلى ٧٠ ألف جنيه شهريا.

قلت للسيدة إن كلامها غير منطقى، فالحد الأقصى للأجور لا يتجاوز ٤٢ ألف جنيه. فضحكت ساخرة، قائلة إن ذلك ينطبق فقط على فئات معينة، لكن فئات أخرى تم استثناؤها من هذا الأمر ومن بينهم القضاة مثلا وبعض العاملين فى البنوك.

سألتها: هناك كفاءات تستحق الاستثناء، حتى لا نخسرها، وحتى لو كان هناك البعض يتقاضى ٧٥ ألف جنيه، فكم يكون عددهم.. المؤكد أنه لن يزيد على بضعة آلاف؟!.

ردت السيدة بحدة قائلة: حتى لو كان عددهم مستشارا واحدا.. فلماذا يتقاضى نفس الراتب فى بلد يئن فيه الناس من الفقر والعوز؟

عند هذه النقطة لم أجد كلاما أو منطقا أرد به على هذه السيدة، التى كانت تتحدث بعصبية وغضب تكشف عن الإحساس بالخطر ليس فقط من اليوم ولكن من الغد.

لو كانت الحكومة جادة فى الإصلاح، ولو قررت أن ترفع الدعم عن الوقود، وبعض أسعار الخدمات، وتعالج العجز الفاضح فى الموازنة، فإنها لن تستطيع أن تفعل ذلك من دون محاربة الفساد، وجميع أشكال التسيب والإهمال والسفه التى تنتشر فى جسد البلاد كالسرطان الخبيث فى مراحله المتأخرة.

وكما قالت بحق وزيرة التضامن الاجتماعى الشجاعة د. غادة والى فإن الفقراء فى مصر يمكنهم أن يتحملوا ارتفاع الأسعار، ولكن شرط أن يصدقوا أن الحكومة جادة فى الإصلاح وجادة فى معالجة التضخم، وأضيف من عندى: «وإذا شعروا بأن هناك عدالة وقانونا يطبق على الجميع والأهم أن هناك أملا فى الغد».

من دون أن يشعر المصريون بالعدل وأن سيف القانون يطبق على الجميع، خصوصا على لصوص المال العام، وناهبى قوت الشعب وسارقى القمح، فلن يتقبل المصريون أى زيادة فى الأسعار ولو كانت قيمتها مليما واحدا، وذلك هو الدرس الذى ينبغى أن تتعلمه الحكومة هذه الأيام قبل أن تتخذ القرارات المؤلمة.

* نقلا عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.