حراك لا يصنع التغيير!

إبراهيم حيدر
إبراهيم حيدر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

يحتمل الحراك المدني أو بعض مجموعاته المسيسة، أن يلتفتا الى البيئة النابضة التي يمكن الاستقطاب منها لإحداث خرق لهيمنة القوى السياسية والطائفية في البلد. حصل أن تقررت العودة الى التحرك في الساحة التي شهدت العام الماضي اعتصامات وتظاهرات ومواجهات، عندما كانت النفايات تحتل الشوارع، وأفضت في النهاية الى تلاشي الحراك وسقوطه تحت الضغوط وعدم بلورة رؤية ومشروع قادرين على الاستقطاب والتأثير معاً.

منذ ذلك الوقت، لم نعرف ما اذا كانت مجموعات الحراك قد قوّمت تجربتها، ليس في عناوين التحرك فحسب، بل في الخيارات السياسية التي وصلت الى حدود رفع شعار "اسقاط النظام". ولذا، ليس طبيعياً أن يخرج الحراك مرة أخرى، ليرفع شعاراً سياسياً ويطالب بالنسبية في القانون الانتخابي، فيما مجموعاته مطالبة أصلاً بإجراء جردة حساب ونقد لتجربتها، وقياس الحسابات والأرباح والخسائر وجدوى أي تحرك جديد بعناوين ملتبسة.

نعرف على سبيل المثال أن مشكلة النفايات لم تحل، والشغور لا يزال في موقع الرئاسة الأولى، واللبنانيون عاجزون عن إحداث تغيير في الحياة السياسية، فيما الأزمات الحياتية تضغط عليهم، ويزيدها تفاقماً ملف اللاجئين، من دون أن ننسى مشكلات الكهرباء والمياه. لكن ما لا نفهمه حقاً أن تقفز مجموعات الحراك عن ملف الفساد وكل تلك المشكلات لتطالب بالنسبية حلاً لكل المشكلات، وهي لم تكن تكترث للعودة الى النبض الشبابي في الجامعات طوال سنة كاملة وكأنه في حالة سبات. فهذا النوع من الحراك غير قادر على إحداث تغيير حقيقي في الحياة السياسية.

ليست لديه مساحة كافية وتأثير على الفئات الاجتماعية، وسط الإصطفافات الحزبية والسياسية والطائفية، وفي غياب قوى ديموقراطية قادرة على الاستقطاب والفعل والضغط لتصويب عمل مؤسسات الدولة وإقرار قوانين تضبط عمل الأفراد والجماعات، وتؤسس لنهوض مدني عابر للطوائف في مواجهة استنفار العصبيات الطائفية وهيمنتها ومنع كل إمكان للنهوض.

لنعترف أن تحقيق نتائج في أي حراك، عليه أولاً أن يراكم، وهو يحتاج الى بيئة حاضنة، يُعبر عنها بكتلة اجتماعية مدنية ترى مصالحها خارج الاصطفافات التي تتحكم بالبلد، وليس تعبيراً عن عصبيات جديدة تُستنفر عند الحاجة. أما شعار النسبية في الانتخابات، فيبقى كلاماً في الهواء، في غياب قوى ديموقراطية خارج الحكم، وفي غياب النقابات الحاملة قضايا العاملين والموظفين والمعلمين. فالخرق يحتاج الى مرحلة يكون فيها البناء المدني الديموقراطي قد قطع شوطاً، تستطيع من خلاله القوى المدنية القول انها قادرة على الانجاز.

وكل المطالبات بقانون عادل للانتخابات أو غيره لا يحدث فرقاً ما لم يجر العمل لرفد الحراك المدني وتياره بفئات شبابية جديدة وكتل اجتماعية تشكل ركيزة له للمستقبل.

*نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط