.
.
.
.

مخاطر الأزمة التركية على الأمن المصرى

لواء محمد عبدالمقصود

نشر في: آخر تحديث:

لن أخوض فى دوافع الانقلاب العسكرى التركى أو أسباب فشله والتى أخفقت وسائل الإعلام والقنوات الفضائية فى متابعتها
بمهنية نتيجة وقوع غالبية المحللين فى خطأى التحيز القومى رداً على حالة العداء التى إتسمت بها مواقف أردوغان تجاه مصر، والتأثر بالصورة الذهنية المسبقة عن نتائج الإنقلابات الخمسة التى قام بها الجيش التركى من قبل، ومن ثم إهمال المتغيرات التى شهدتها معطيات الأوضاع الداخلية فى تركيا منذ تولى حزب العدالة والتنمية السلطة بالبلاد من مخططات لفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة وإجراءات لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن والاستخبارات، ولكن سأقفز إلى النتائج التى أسفرت عنها الأزمة التركية محاولاً التنبؤ بتداعياتها على الأمن القومى المصرى، وتلمس سبل الوقاية منها فى ظل تعاقب الأزمات التى تتعرض لها مصر خلال الفترة الأخيرة.

يمكن توصيف الأزمة التركية بأنها صراع بين تيارين دينيين الأول بقيادة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الذى نجح خلال فترة قيادة حزبه لتركيا منذ عام 2002 فى تثبيت أركان حكمه، وتعزيز سيطرته على مقاليد السلطة باستبعاد وملاحقة غالبية العناصر والقيادات السياسية والعسكرية المناوئة له، مع سعيه لإستغلال فشل الإنقلاب العسكرى للإجهاز على ماتبقى من مظاهر للمعارضة الداخلية بدعوى إنتمائها لجماعة الداعية الإسلامى فتح الله جولن الذى يقود التيار المنافس له والذى يقيم فى الولايات المتحدة منذ عام 1999، حيث ينتمى غالبية أعضاء هذا التيار للنخب بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والقضائية والأكاديمية، ورغم عدم قدرتهم على الحشد الشعبى إلا أنهم ينشطون فى العديد من المدن التركية للمطالبة بتوسيع مساحة الحرية الممنوحة للشعب وإتخاذ خطوات جدية لتحسين المناخ السياسى الداخلى، والحد من مظاهر الإضطهاد للأقليات الدينية والعرقية، خاصة بعد أن نجحت الأقلية الكردية فى تعزيز مكانتها داخل الخريطة الحزبية التركية.

لاشك فإن فشل الانقلاب سيدفع الرئيس التركى لإعادة حساباته فى التعامل مع القوى الدولية من منظور مدى دعمها لنظامه فى مواجهة المتمردين عليه، وبما قد يدفع نحو التقارب مع كل من إسرائيل وروسيا التى ساعدت النظام بتوفير معلومات حول أبعاد هذا الإنقلاب، وسارعت بالتعبير عن قلقها من الإضطرابات التركية ورفض حدوث التغيير الداخلى على هذا النمط، وينذر بإحتمالات حدوث أزمة فى العلاقات مع الولايات المتحدة التى ترفض الإستجابة للمطلب التركى بتسليم فتح الله جولن، وكذا بعض الدول الأوروبية التى تبدى تحفظها على الإجراءات غير القانونية التى تنتهجها الحكومة التركية للإنتقام من القوى المعارضة لأردوغان فى الداخل، مع عدم إستبعاد إستمرار أزمة العلاقات مع مصر، إرتباطاً برؤية أردوغان الخاصة لثورة 30 يونيو، ورغبته فى رد الجميل للتيارات الدينية المتطرفة، بما فيها تنظيم الإخوان الإرهابى الذى يستضيف قياداته على الأراضى التركية لدورهم فى دعم قوات الدرك لمواجهة قوات الجيش والشرطة التى تمردت عليه.

تثير تلك التطورات أهمية الإستعداد لمواجهة أية إجراءات غير محسوبة من النظام التركى ضد المصالح المصرية فى ظل إستمرار دعمه السياسى والإقتصادى والإعلامى لتنظيم الإخوان، وسعيه لتوظيف مؤسساته الرسمية لإقناع الرأى العام الداخلى والدولى بأحقية هذا التنظيم فى العودة لممارسة الحياة السياسية فى مصر رغم تورط بعض قياداته المقيمة فى تركيا فى العديد من الجرائم الإرهابية بما فيها التخطيط لعملية إغتيال النائب العام السابق الشهيد/ هشام بركات، فضلاً عن إيواء القيادات المتطرفة والإرهابية التى نشرت الذعر وروعت أهالينا وحرقت مساجدنا وكنائسنا بعد الثورة المجيدة، الأمر الذى يتطلب ضرورة إتخاذ الحكومة المصرية لعدد من الإجراءات والتدابير الإحترازية للتخفيف من أثار أية أزمات قد يلجأ الجانب التركى لإثارتها فى المرحلة المقبلة على أن تتخذ تلك الإجراءات طابعاً تدريجياً لتجنب إستفزاز الأتراك فى المرحلة الراهنة.

فى هذا الإطار ينبغى أن تشمل الإجراءات العاجلة التنبيه على بعثاتنا الدبلوماسية والجالية المصرية فى تركيا بتوخى الحيطة والحذر إزاء إمكانية تشجيع السلطات التركية للتيارات المناوئة لثورة يونيو لتصعيد إحتجاجاتها والإحتكاك بهم، خاصة مع سابق توفير الدعم لعناصر الإخوان التى نظمت مظاهرات أمام مقر السفارة المصرية بأنقرة، مع ربط تحسين العلاقات بين البلدين بمدى إستجابة النظام التركى للمطالب المصرية بتجميد أنشطة قيادات الإخوان على أراضيها وتسليم العناصر المتورطة فى عمليات إرهابية لمحاكمتها، مع عدم التهاون إزاء أية تجاوزات تركية سواء بالقول أو الإشارة فى حق النظام المصرى.

فضلاً عن إتخاذ التدابير التى تكفل الحفاظ على سلامة المجتمع من أية محاولات لإختراقه على المدى القريب بوضع المدارس التركية التابعة لجماعة فتح الله جولن تحت إشراف وزارة التربية والتعليم على غرار مدارس الإخوان، خاصة بعد قرار الحكومة التركية إغلاق 1000 مدرسة تابعة لهذه الجماعة على الساحة التركية، وإتخاذ التدابير التى تحول دون اعتراف المجلس الأعلى للجامعات بالشهادات العليا التى يحصل عليها الطلبة المفصولون من الجامعات المصرية على خلفية قيامهم بأنشطة تخريبية فيها، مع أهمية الإستفادة من المكانة التى يتمتع بها الأزهر الشريف داخل الأوساط الدينية التركية لتوصيل الرسائل التوعوية المعتدلة عن الدين الإسلامى الحنيف وتحقيق التواصل مع الشعب التركى، والنظر فى كيفية بلورة سياسة إعلامية مدروسة للتأثير فى وجدانه وإبراز حرص مصر على استقرار ورفاهية هذا الشعب.

*نقلا عن الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.