.
.
.
.

لو أن عرفات فعل ذلك يوم 2 أغسطس 1990

فؤاد مطر

نشر في: آخر تحديث:

في غياب المهم، بل وتغييبه، ونعني بذلك وحدة الصف الفلسطيني فلا يبقى الشتات على ما هو عليه، حيث هنالك «كيان» في غزة مناهض «سلطة» في رام الله، فاجأنا وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي ببشرى عن تحرُّك، يتمنى المرء ثبات إخواننا أهل السلطة الفلسطينية عليه والتعامل معه بكل موجبات المنهج العلمي، كي لا ينتهي فرقعة ضمن الفرقعات الفلسطينية من نوع «اتفاق أوسلو» وانسجام الرئيس ياسر عرفات مع الغزوة الصدَّامية للكويت في مثل هذه الأيام قبل ست وعشرين سنة، مضيِّعًا بذلك موقفًا لو أنه اتخذه لكان ربما أنقذ المنطقة من ويلات ما يصيبها من تداعيات نشأت عن يوم الخميس 2 أغسطس (آب) 1990.
الموقف الذي نعنيه وكان فرصة أضاعها أبو عمار هو بدل أن ينسجم مع الغزوة الصدَّامية للكويت يستنفر الألوف من الفلسطينيين رجالاً ونساءً صغارًا وكبارًا حاملين الأعلام الفلسطينية ويتقدمهم هو شخصيًا رافعًا كوفيته، ويرابط هذا الجمع الفلسطيني وبشكل سياج على مشارف الكويت من الجهة التي يمكن أن تدخل منها الدبابات الصدَّامية. وهذه الوقفة كانت ستجعل الرئيس صدَّام يجد نفسه أمام خياريْن: إما لا يأبه بالوقفة الفلسطينية فيخسر. أو يقرأ معناها فيُقلل من خسارته المعنوية. وكان التاريخ الحديث للمنطقة سيتضمن صفحة مكتوبًا عليها أنه في يوم الخميس 2 أغسطس 1990 وبتوجيه من قائدهم الرئيس ياسر عرفات قرر بضعة ألوف من الفلسطينيين العاملين في دولة الكويت المحتَضَنين من أميرها وولي عهده وأركان الحكومة والبرلمان ورجال أعمال وأفراد الشعب عمومًا، أن يفتدوا الوطن الخاص بصدورهم ووقفوا سدًا بشريًا منيعًا أمام أرتال الدبابات والآليات العراقية الغازية واستطاعوا بهذه الوقفة إنقاذ كيانيْن عربيين من الكارثة: الكويت المغزوة والعراق الغازي.
ما الذي جعل الرئيس عرفات لا يفعل ما نشير إليه وهو الحصيف الذي صاغ سياسة إرضاء الجميع الأشد حرصًا على سلامة الشعرة فلا تُقطع؟ في عِلْم الغيب حساباته عدا تلك التي طالما لمح إليها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.
المهم أن فرصة أُضيعت وأن عشرات الألوف من الفلسطينيين الذي كانوا سعداء الحال في عيشهم الكويتي انتهوا في أسوأ عيش يكامن دون الصعوبات داخل مخيمات على الحدود مع الأردن في انتظار أن يجدوا الملاذ الجديد حالهم في ذلك من أحوال أبناء قومهم في مخيم اليرموك المحاصَر المفترَض أنه في حمى رئيس سوريا، الذين ذاقوا الأمرّيْن مِن المضيف الأسدي لهم، مع فارق أنهم كانوا يعيشون في مخيم في ضواحي دمشق، فيما فلسطينيو الكويت كانوا في منازل مريحة وأعمال مستقرة. ولا يخفى على صاحب ضمير أي وضع عليه أحوال فلسطينيي المخيمات في سوريا والأردن ولبنان.. وبالذات لبنان.
بالعودة إلى البشرى التي فاجأنا بها وزير الخارجية الفلسطيني والتي نتمنى أن يكون مضمونها فرصة جديدة يحسُن توظيفها والاستفادة منها، نشير إلى أنها (على نحو ما جاء في رسالة زميلنا كفاح زبون من رام الله) تتمثل بتصريح أدلى به يوم الخميس 28 يوليو (تموز) 2016 الوزير رياض المالكي متضمنًا تخيير بريطانيا بين الاعتذار عن وعد بلفور الذي يقترب من مئويته (2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917) أو مقاضاتها لدى المحكمة الجنائية الدولية على ذلك. وفي حيثيات الخطوة المزمع اتخاذها يقول الوزير: «لقد أملت فلسطين أن يكون لدى بريطانيا شجاعة ومسؤولية تاريخية وسياسية لتتقدم إلى الأمام وتعلن رسميًا اعتذارها للشعب الفلسطيني عن وعد بلفور في الذكرى المائة عليه، ولذلك قررت القيادة التأكيد في خطابها في مؤتمر القمة العربية في نواكشوط بموريتانيا (الاثنين 25 يوليو 2016) على حق الشعب الفلسطيني في مراجعة ومحاسبة كل مَن أخطأ بحقه حتى وإن كان قبل مائة عام، بعدما تبين لها أن الحكومة البريطانية لم تصل بالتفكير إلى مستوى الاعتذار عن الظلم التاريخي ومحاولاتها للاحتفال مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بذكرى مرور مائة عام على وعد بلفور الذي أدى إلى حدوث هجرة لليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة على حساب الشعب الفلسطيني...».
نقطة القوة في الخطوة المأمولة أنها محقة، وأن الظلم لا تطويه الأيام مهما طالت. أما نقطة الضعف فيها فهي أنها تأتي في الخاطر الفلسطيني بعد الذي نُشر عن احتفالية استفزازية بريطانية - يهودية ستقام لمناسبة مئوية هذا الوعد الظالم. كما ثمة نقطة ضعف في الإطار نفسه وهي أن المطالَبة بالاعتذار تأتي متأخرة بضعة عقود. وهذا التأخير هو الذي يجعل المعتدي وارث عصابات «الهاغاناه» و«شتيرن» التي شكَّل وعد بلفور الغطاء «الشرعي» لها يرد على طلب الاعتذار وإلا فالمقاضاة بقذيفة استعلائية تمثلت بقوله: «بعد نحو أربعة آلاف عام من التاريخ اليهودي على هذه الأرض وقرابة مائة عام منذ إقامة دولة إسرائيل، هنالك من لا يزال ينكر صلتنا الوطيدة بأرضنا. لقد سمعتُ أن السلطة الفلسطينية تنوي مقاضاة بريطانيا حول إعلان بلفور، معنى ذلك أنها لا ترفض الدولة اليهودية وحسب بل هي ترفض البيت القومي اليهودي الذي سبق الدولة اليهودية. إنها ستفشل بذلك...».
لن نتوقف عند ذرائع نتنياهو لأن التاريخ بوثائقه وخرائطه يدحض تنظيره، ولكننا نتمنى الجدية والمثابرة للخطوة الفلسطينية التي تبقى غير مكتملة العافية إذا كان الوضع الفلسطيني سيبقى عليه حيث «دولة غزة الحمساوية» في صراع مع «سلطة رام الله العرفاتية العباسية». وفي هذه الحال وما دام لن يتوحَّد الموقف الفلسطيني سيقال في أوساط دولية قابلة للتعاطف مع التوجه الفلسطيني ما معناه أنكم قبل أن تطلبوا الاعتذار من بريطانيا أو مقاضاتها نرى أن تعتذروا بادئ ذي بدء من شعبكم الذي تبقونه على هذه الحيرة في أمركم متنازعين على كنز لم يتم اكتشافه بعد. كما سيقال في الأوساط إياها ما معناه أنكم أضعتم فرصة أتاحها لكم الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما جمع رموز «فتح» مع رموز «حماس» في رحاب مكة المكرمة قائلاً لهم: «لا تُضيِّعونا ولا تُضيِّعوا أنفسكم يا إخواننا أبناء القضية الفلسطينية»، وأقسموا أمامه وهم مجتمعون في «قصر الصفا» على المصحف الشريف بأن ورقة الخلاف ستطوى من كتاب القضية الفلسطينية، ثم بعد أيام من عودة كل إلى عرينه في «رام الله» وفي «غزة» عادت حليمة إلى هوايتها القديمة وتوغلت إيران أكثر وأكثر في الغابة الحمساوية و«تنظيم الجهاد» وها هي أحوال القضية الفلسطينية راهنًا توضح كم أن هذا التوغل زاد القضية إضعافًا.
وحيث إن طلب الاعتذار عن وعد بلفور يشق طريقه لكي يكون أحد بنود موضوع الساعة فإن التذكير بواقعة تعود إلى زمن بريطانيا الثاتشرية يستوجب الاستحضار.
الواقعة التي أُشير إليها حدثت عام 1988 خلال زيارة قام بها (كان وليًا للعهد). فهو لدى اجتماعه برئيسة الحكومة مارغريت ثاتشر قال لها «إن وعد بلفور عار يجب على الجيل الحالي في بريطانيا أن يصححه».
وعندما قال ذلك فإنه كان يبعث رؤية الوالد المؤسس الملك عبد العزيز طيَّب الله ثراه في زمن ثنائية صداقة المملكة مع أميركا روزفلت والمتمثلة بعبارات شهيرة له «إن قضيتي الأُولى هي قضية فلسطين وما وعد بلفور بوطن يهودي في فلسطين إلاَّ شيء مخطَّط له ومعروف مَن يناصره، والقرآن الكريم ما أكثر الآيات الجليلة التي تحدثت فيه عن النفسية اليهودية وما فيها من لؤم للإسلام والعرب...».
الآن تستحضر الدبلوماسية الفلسطينية الوزر الذي ألحقه وزير خارجية بريطانيا الأسبق اللورد آرثر بلفور. وبصرف النظر عما إذا كان إحياء هذا الحدث الذي صنَّفه الملك عبد الله بن عبد العزيز أمام المرأة الحديدية البريطانية الأُولى مارغريت ثاتشر بأنه «عار»، يأتي في وقت انحسرت فيه بعض الشيء المكانة الدولية لبريطانيا بفعل انسحابها من الاتحاد الأوروبي وبحيث أن رئيسة الحكومة الحالية تيريزا ماي ربما تصحح العار الذي لم تُصححه مثيلتها الراحلة.. بصرف النظر عن الظروف والافتراضات فإن ربْط الاعتذار بالمقاضاة أمام المحكمة الدولية لم يكن ضروريًا. ذلك أنه في بعض مراميه فعل ابتزاز من غير المستَحب اعتماده.. إلاَّ إذا كان اغتصاب وطن وتحت مظلة وعد ظالم لا يستعاد أو يصحح إلاَّ بالاعتذار في الحد الأدنى المقبول أو الحد الأقصى العقاب الدولي. فليكن ذلك. المهم في الأمر هو الثبات والمثابرة، وقبل ذلك وحدة الصف الفلسطيني في مواجهة الذئب الإسرائيلي الفاغر شدقه ليأتي على فلسطين أرضًا وشعبًا.
أليس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو القائل «عليكم بالجماعة، فإن الذئب إنما يصيب من الغنم الشاردة». وأليس هو القائل «المرء كثير بأخيه». وأليس الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه هو القائل «إنه لا غَناءَ في كَثْرة عددِكم مع قِلَّة اجتماع قلوبكم».
عسى ولعل لا تضيع الفرصة الجديدة كما سابقات لها.. وبالذات فرصة السياج الفلسطيني في وجه الغزوة الصدَّامية في مثل هذا الشهر قبل 26 سنة. والله الهادي.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.