.
.
.
.

الإفتاء بارتكاب الجرائم!

أحمد أميري

نشر في: آخر تحديث:

تناول الإعلامي إبراهيم عيسى في برنامجه الذي يعرض على فضائية «القاهرة والناس» موضوع المتاجرة غير الشرعية بالآثار في مصر، وإباحة بعض مشايخ الدين ارتكاب هذه الجريمة استناداً إلى أحكام الفقه، ما يجعل من هذه القضية محلاً للنقاش في أي بلد لا حدّ واضحاً فيه بين ما هو دين وما هو قانون. وتعد القوانين المصرية جميع الآثار من الأموال العامة، وتحظر الاتجار فيها، أو إجراء الحفر الأثري، وتلزم من يعثر على أثرٍ مصادفة إخطار السلطات، ومع هذا، يستعرض البرنامج فتاوى مشايخ دين مصريين، يقيمون في مصر، يبيحون المتاجرة بآثار بلدهم، بل تحطيمها في بعض الحالات!

شيخ الدين المعروف محمد حسّان يقول بالنص رداً على سؤال بشأن حكم بيع الآثار: «إن كانت هذه الآثار في أرضٍ تملكها أو في بيتٍ لك، فهذا حقك ورزقٌ ساقه الله إليك، وليس من حق دولةٍ ولا مجلسٍ ولا أي أحدٍ أن يسلبك هذا الحق، هذا ركازٌ أو كنزٌ أو ذهبٌ أو غير ذلك.. أما إن كانت هذه الآثار ظاهرة التجسيم لأشخاصٍ فعليك أن تطمسها..». وقد تراجع الرجل عن فتواه الغريبة التي تدعو إلى المتاجرة بالآثار وتخريبها بعد تحرك بعض الأوساط الثقافية في مصر ضده.

وإذا كان شيخ الدين «حسّان» قد وارب في مصير الآثار المنحوتة على شكل آدميين، فزميله وحيد عبدالسلام كان أكثر وضوحاً، فبعد أن عدّد الشروط الشرعية لاستخراج الكنوز من الأراضي التي يملكها الأشخاص، قال: «إذا أخرجوا تمثالاً من ذهبٍ فلا يجوز بيعه كتمثال، وإنما يقطّع ويباع مقطّعاً حتى وإنْ قلّ ثمنه، وإذا أخرجوا تمثالاً من حجارة فهذا التمثال وإن كان يساوي الملايين لا يجوز بيعه ولا التجارة فيه ويُحرم ثمنه.. بل هذا التمثال يُحطّم».

ولعلّ إحدى نتائج الإفتاء بغير احترام للقوانين النافذة ما تحدث عنه إبراهيم عيسى حول عدم اقتصار المتاجرة بالآثار على عصابات التهريب كما كان يحدث في السابق، إذ أخذت بعض الأسر تحفر داخل بيوتها بحثاً عن الآثار، إلى درجة أن بعض تلك البيوت تهدمت على رؤوس أصحابها، وأشخاص حُصروا بداخل حفر الأحلام، هذا عدا النتائج المدمرة للمتاجرة بالآثار، أو تحطيمها، على مصر، وحضارتها، وتاريخها، واقتصادها، وشعبها، وحق الأجيال المصرية، والإرث الإنساني عموماً.

والقضية لا تنحصر في إباحة نهب الآثار المملوكة للدولة والمتاجرة بها وتحطيمها ولو كانت تساوي الملايين، إذ الإفتاء على عكس ما تفرضه القوانين ظاهرة موجودة بين مشايخ الدين، من دون أي مراعاة لتغير الزمن، والأحوال، بل وجود قوانين تجرّم ما يفتون به. هذا والكلام هنا حول المشايخ الذين ما زالوا يدينون بالطاعة للسلطات في دولهم، إذ من خرجوا على دولهم حكايتهم طويلة.

والأعجب من ذلك أن ثمة مسائل فقهية صدرت فيها قوانين مستمدة من الشريعة، كما في مسائل الزواج والطلاق والتركات والمواريث والهبة والوقف وغيرها، ومع هذا، يصرّ بعض مشايخ الدين، حتى من العاملين في جهات الإفتاء الحكومية، بالإفتاء في تلك المسائل على خلاف ما ينص عليه القانون المستمد أساساً من الشريعة.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.