.
.
.
.

فساد العراق: تيئيس الشعب أسهل من إصلاح الدولة

عبد الوهاب بدرخان

نشر في: آخر تحديث:

افتتح وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي الشهر الحالي، أغسطس، بزلزال فضائح كانت تُتداوَل في كل الأوساط وما كانت لتثير اهتماماً لو لم يكن هو شخصياً مَن يكشفها في جلسة استجواب علنية. بالتزامن، تردّدت خلال الأسبوع الماضي أنباء تتفاوت في الأهمية، لكن عنوانها واحد: الفساد، ما يشير إلى آفة فتاكة بات الحديث عنها يستخدم المصطلحات ذاتها في وصف الإرهاب أو ظاهرة الاحتباس الحراري في كونها تتنافس في الخطورة وفي التحكّم بمعيشة الناس ومصائرهم.

وإذا كانت البرازيل استطاعت أن تقدّم افتتاحاً ملوّناً ومبهجاً للألعاب الأولمبية، فإن المناسبة جدّدت التذكير بأن رئيسة البلاد لم تتمكن من ترؤس الاحتفال لأنها موقوفة في قضية تلاعب بالحسابات العامة. وترافق التحضير للأولمبياد مع الكشف عن فضيحة تعاطي الرياضيين الروس المنشّطات والفساد في الاتحاد الدولي لألعاب القوى، وكذلك مع إعلان قاضٍ أميركي أن المحاكمات في قضية الفساد في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ستبدأ في خريف 2017.

ومن الرياضة إلى السياسة، إذ أعتبر تفشي الفساد من أهم أسباب تراجع شعبية حزب «المؤتمر الوطني» الأفريقي في انتخابات جنوب أفريقيا. ووُضعت مكافحة الفساد مع مكافحة الإرهاب بين أبرز أولويات الحكومة المقبلة في تونس. وفي مصر تصالحت الحكومة مع رجل الأعمال الهارب حسين سالم بعد تنازله وأفراد أسرته عن 75٪ من ثروتهم، وتُرجم هذا الرقم بأكثر من نصف مليار دولار. وذُكر الفساد خلال الأسبوع نفسه في إيطاليا ولوكسمبورج وألمانيا وتركيا وتايلاند.

كل ذلك مجرّد عيّنات موزّعة عالمياً في حين أن العراق يقدّم وحده تشكيلة أنطولوجية لأنماط فساد يصعب حصرها أو عدّها، وما أورده وزير الدفاع يتناول رئيس مجلس النواب ومجموعة من النواب في وقائع كان العبيدي طرفاً فيها.

لم يسبق أن جيء بأي وزير آخر إلى استجواب مماثل بخصوص الفساد، فالقاعدة المتّبعة أن الكل يسرق ويعرقل أي مساءلة، كما أبلغني وزير سابق، فهو لم ينخرط في اللعبة ولذلك لم يُسعَف بالميزانيات ثم استُبعد في أول تغيير وزاري بعدما تصاعدت نقمة الأحزاب الحاكمة عليه. ومما قال أنه «يمكنك فقط أن تحدّد غير الفاسدين فعددهم قليل جدّاً»، وأنه تحمّس كثيراً لـ«هيئة النزاهة» لكنه لا يعرف الآن لماذا أنشئت فهي تثير الشفقة، إذ إنها تعمل وتبذل جهداً كبيراً، وتقدّم تقاريرها، لكن يلزم وجود دولة لتفعيل «النزاهة» غير أن الفساد نخر الدولة نفسها طولاً وعرضاً وتجذّر فيها. وعندما يتبين أن الضابط أو الجندي أو الشخص العادي يدفع للمتنفّذٍ أو النائب المنتخب لقاء خدماته (ترقيات، امتيازات، تعيينات...) للناخبين تكون مأسسة الفساد قد بلغت المجتمع نفسه.

كان المشهد الفوضوي يشبه أي شيء إلا جلسة لمجلس نواب، ورغم أن كشف الوزير مذهلٌ ومثيرٌ للغثيان فإن التساؤلات خارج قاعة البرلمان التفتت إلى ما لم يُسأل عنه العبيدي ولم يتبرع بكشفه، أي عن عقود وصفقات أُبرمت فعلاً ولم تُثَر حولها ضجّة ولا شكوك ولا كان بمستطاعه كشخص فوق الشبهات أن يعترضها لأنها محمية بحيتان فساد أكثر حجماً وضراوةً.

وإذا كان سليم الجبوري حُرم الاستفادة من عقود إطعام الجيش العراقي، فهل حُرم غيره من عمولات عقود التسلّح؟ وإذا كان فضْح الجبوري إيذاناً بإسقاطه من المعادلة السياسية فهل يمكن أن يُعاقب سواه ممن يواصلون الإثراء والتربّح من وجودهم في السلطة؟ مثل هذه التساؤلات أشعلت الجدل عن الفساد المحصَّن والفساد المُستضعَف حسب «مذهب» صاحبه أو حسب أهميته في «العملية السياسية»، باعتبار أن المساءلة الحقيقية لا تستثني أحداً.

الأهم أن وزير الدفاع لم يُسأل عن أضخم عملية فساد مالي وسياسي ودفاعي تدور وقائعها علناً، وتحبط سيادة الدولة وهيبتها. فقبل أيام من الاستجواب اتخذ رئيس الوزراء حيدر العبادي قراراً باعتبار ميليشيات «الحشد الشعبي» جزءاً من القوات المسلّحة العراقية، بما يرتّبه ذلك من تهميش للجيش ومن استفزاز للمجتمع ومن ميزانيات على كاهل دولة تنوء بالتزاماتها وتكاد تُشهر إفلاسها. وقبل ذلك، ألم يكن سقوط الموصل في أيدي «داعش» نتيجة حال فساد، فماذا حلّ بها ولماذا لم يُتَح للقضاء أي قول فيها؟ لكن مجرّد استشراء الفساد يعني أن أصحابه واثقون بأنهم فوق المساءلة.

مضى عام على الاحتجاجات الشعبية، وبدلاً من أن تثبت الدولة قدرتها على الإصلاح، فإنها أثبتت على العكس قدرتها على تيئيس الشعب.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.