.
.
.
.

السيسى والإيكونوميست.. الترشيح والتسليح

عماد الدين حسين

نشر في: آخر تحديث:

قرأت افتتاحية مجلة الإيكونوميست البريطانية فى عددها الأخير بعنوان «خراب أو تخريب مصر»، وقرأت أيضا الرد الذى كتبه المستشار أحمد أبوزيد المحدث الرسمى باسم وزارة الدخارجية، ونشره على موقع الوزارة باللغتين العربية والإنجليزية.


كثيرون ركزوا على الافتتاحية، ولم يلتفتوا إلى أن المجلة خصصت ملفاً كاملاً عن الاقتصاد المصرى، بل كل الأزمات التى تواجه مصر سواء كانت إرهابية أو سياسية.


الخطأ القاتل الذى يقع فيه أى شخص أن يختزل الموضوع ويتهم المجلة بأنها طابور خامس ومغرضة وتعمل لصالح أعداء مصر، إلى آخر هذه المجموعة من التهم الجاهزة.


ومن الخطأ أيضا أن يتعامل بعض معارضى النظام المصرى مع ما نشرته الإيكونوميست باعتباره «قرآناً منزلاً» لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، بل يبدأون التعامل مع الأمر باعتباره كلمة النهاية فى حياة النظام المصرى، مستبشرين بما كتبته المجلة أيضا عن نظام حسنى مبارك عام ٢٠١٠ تحت عنوان «الرمال المتحركة.. التغيير قادم فى البلدان العربية الحليفة»، ووضعت المجلة مبارك على الغلاف أيضا مرتديا زيا عربيا، وهو يغرق فى الرمال.


من الخطأ على أنصار الحكومة المصرية والرئيس السيسى التعامل مع الإيكونوميست باعتبارها مجلة صفراء تافهة. هى مجلة رصينة وقورة محافظة، وتحظى بثقة غالبية صناع القرار فى أوروبا والغرب، بل كل الاقتصاديين فى العالم.. ولم يعرف عنها الاندفاع أو التهور، وبالتالى فليس من الحكمة أن نخنزل الموضوع فى كلمة المؤامرة.


من المعروف أيضا أن الموضوعات فى المجلة ليس عليها توقيع صحفى أو كاتب أو محلل معين، بل تنشر من دون أسماء معبرة عن كل المحررين أو مجلس التحرير. لكن من الخطأ أيضا التعامل مع ما نشرته المجلة باعتباره حقائق دامغة لا تقبل النقض. فى رد وتوضيح المستشار أحمد أبوزيد أعجبنى حينما أعطى للمجلة قيمتها وتقديرها ووصفها بأنها محترفة ورائدة فى التحليل الاقتصادى.


قد يمكن التشكيك كثيرا فيما تكتبه بعض الصحف الممولة من قطر أو تركيا وتصدر فى الغرب، عن مصر ورئيسها واقتصادها، لكن عندما يصدر الأمر عن الإيكونوميست فعلينا أن نتردد طويلاً قبل إطلاق قائمة التهم إياها.


أؤمن تماما أنه لا توجد مهنية أو موضوعية كاملة فى أى وسيلة إعلام فى العالم، هى نسبية، يمكن أن تزيد فى هذه الجريدة أو تلك المجلة، وتختفى تماما فى صحف وفضائيات أخرى كثيرة. وبالتالى فإن أفضل وسيلة للتعامل مع ما نشرته هذه المجلة البريطانية المرموقة أن نرد عليهم بالحجة فيما يتعلق بالأرقام والمعلومات والرأى فيما يتعلق بالرأى.


تحدثت المجلة باستفاضة عن الأزمات التى يواجهها الاقتصاد المصرى، وهى أزمات تكتب عنها الصحف المصرية حتى تلك المملوكة للدولة مرارا وتكرارا، لكن المشكلة هى فى الاستخلاصات والاستنتاجات النهائية.


الحكومة المصرية تعترف بأنها تواجه أزمة اقتصادية طاحنة، ولذلك بدأت الآن فى التفاوض مع صندوق النقد الدولى من أجل الشروع فى برنامج اقتصادى سيؤدى لا محالة إلى إجراءات وقرارات مؤلمة يخشى كثيرون أن يدفع ثمنها الأكبر الفقراء ومحدودى الدخل.


فى تقديرى الشخصى أن المجلة تحاملت كثيرا على الحكومة المصرية والرئىس السيسى وحملته المسئولية الأكبر فى الأزمة الاقتصادية، وهو أمر شديد السطحية والتبسيط خصوصا حينما يأتى من مجلة متميزة خصوصا فى الموضوعات الاقتصادية.


حينما تنهى المجلة افتتاحيتها المثيرة للجدل بالمطالبة بأن يتوقف العالم عن تقديم الأسلحة للجيش المصرى، وألا يترشح الرئس السيسى لفترة رئاسية جديدة فقد وضعت نفسها فى موقف الخصم السياسى المباشر، وليس المحلل الاقتصادى. ترشح السيسى من عدمه يفترض أن يحسمه الرئيس والشعب، وليس افتتاحية مجلة أو صحيفة فى لندن أو واشنطن، أما وقف التسليح لمصر فهو أمر شديد الغرابة، ويبعث على العديد من التساؤلات، أهمها من الذى يستفيد من عدم وجود جيش مصرى قوى خصوصا فى منطقة هشة وقلقة، وتشهد محاولات لرسم خريطة جديدة لها؟!

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.