.
.
.
.

د. على جمعة.. لماذا؟

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

نجا فضيلة العالم الجليل د. على جمعة من محاولة اغتيال وحشية، يوم الجمعة الماضى، وسعد كل المصريين إلا قليلا، بهذه النجاة، وبالتأكيد سعد معهم كل أنصار ومحبى الحياة والمدافعين عن الإنسانية فى وجه الإرهابيين والقتلة. المحاولة تحمل بصمات جماعة الإخوان الإرهابية، وفيها كل سمات إرهاب الجماعة، من حيث التوقيت، لحظة صلاة الجمعة وقبيل الاحتفال بالذكرى الأولى لافتتاح ازدواج قناة السويس، ومن حيث المكان «المسجد»، هم يركزون على المناسبات الدينية والوطنية للقيام بجرائمهم، وهم لا يقيمون حرمة لدور العبادة، ويفضلون أن يجعلوها مسرحًا لجرائمهم، جامع رابعة العدوية ومسجد الفتح نموذجًا.

غير أن السؤال المهم: لماذا فضيلة المفتى السابق د. على جمعة؟

سوف نلاحظ أن هناك أكثر من محاولة سابقة للاعتداء عليه وعلى حياته، مرة بأن أحرقوا بيته، ومرة أخرى حاولوا الاعتداء عليه، ومرة ثالثة حين ذهب إلى كلية دار العلوم لمناقشة رسالة علمية، هذه المرة كانت الأكثر عنفًا والأشد وقاحة، وقيل- إعلاميًا- إن السبب المباشر يكمن فى أن الرجل دائم الانتقاد لحسن البنا وسيد قطب، وهما، لدى الإخوان، أقرب إلى صنمين كبيرين، لكن المسألة- كما يبدو- أكبر من ذلك، د. على جمعة حالة خاصة جدًا تزعج الإخوان وتهددهم بالفعل، وإن لم يكن الوحيد فى ذلك.

أولاً: هو عالم أزهرى جليل، وصل إلى منصب مفتى الجمهورية وعضو هيئة كبار العلماء، وهو دائم الانتقاد للإخوان، تصريحًا لا تلميحًا، على غير عادة كثير من علماء الأزهر، هم يراهنون دائمًا على اختراق الأزهر واجتذاب بعض علمائه إلى دائرتهم، ونجحوا فى عدد من الحالات، ويحاولون تحييد الأزهر، أو على الأقل يظل انتقاده لهم فى دائرة التلميح، وعندها يفسرون الأمر على أنها ضغوط أو تبعية سياسية من المؤسسة الدينية للسلطة، د. على جمعة كسر هذه القاعدة، بأن كشف عن موقف فكرى واضح وصريح ضدهم، هو يرفض أفكارهم ومشروعهم وينبه إلى مخاطره على الوطن وعلى الدين ذاته.

ثانيًا: د. على جمعة لم يكتف بالدور التقليدى للعالم، وهو إلقاء الدروس العلمية والفقهية وإصدار الكتب، لكن اتجه إلى مجال المجتمع المدنى وتقديم الخدمات للمواطنين، عبر مؤسسة «مصر الخير»، وربما أقدم على إنشاء هذه المؤسسة، بحكم دراسته الأولى للاقتصاد وإدراكه الشديد لأهمية هذا البعد فى حياة المجتمع، المؤسسة تقوم بدور خدمى حقيقى، التقيت فى «بكين» قبل حوالى عامين بعدد من طلابنا أرسلتهم المؤسسة فى بعثة تعليمية بعد حصولهم على الثانوية العامة، وتتولى الإنفاق بالكامل على البعثة؛ هذه المؤسسة ومثيلاتها يمكن أن توقف تمدد الجماعة الإرهابية والتسلل إلى الفقراء والبسطاء وشراء الولاء بتقديم الخدمات.

ثالثًا: يمثل د. على جمعة نموذجًا للإسلام الصوفى، القادر على أن يجتذب جماهير واسعة بالحب وليس بالترهيب والوعيد، الذى يفتح للمسلم آفاقًا واسعة للحياة وللانفتاح على العصر، ويؤسس لعلاقات بين البشر قائمة على التواصل والمحبة الخالصة والصادقة لوجه الله تعالى، وليست لهدف التجنيد والاستقطاب، وهذا النموذج كان قويًا ومؤثرًا فى مصر، معظم فترات التاريخ العربى والإسلامى، حتى جاء الاحتلال البريطانى فضربه لورد كرومر ومن جاء بعده من رجال بريطانيا العظمى لصالح المتشددين والمتطرفين، لذا لم يكن غريبًا أن تكون جماعة حسن البنا من اختراع شركة قناة السويس والمخابرات البريطانية.

رابعًا: هو نموذج يسحب البساط من تحت أقدام من يسمون «الدعاة الجدد» أولئك الذين تبنت الجماعة تقديمهم وساندتهم ماديًا ومعنويًا على مدى عقود، حتى ينصرف الجمهور عن علماء الأزهر ورجال الدين المحترفين، د. على جمعة له حضور شبه دائم فى المشهد الإعلامى وهذا أتاح له جمهورا غفيرا يتابعه بانتظام، ومن ثم عادت الجاذبية الجماهيرية إلى عالم الدين «الأزهرى»، وهذا يضرب فى الصميم توجه الجماعة واستراتيجيتها فى إلغاء دور «عالم الأزهر» واستحداث نموذج خاص بهم.

خامسًا: لم يكن غريبًا أن تبدأ هذه الجماعة عمليات الاغتيال، سنوات السبعينيات، باختطاف واغتيال فضيلة الشيخ محمد حسين الذهبى، أعظم أساتذة التفسير فى عصره، لا لشىء سوى أنه كان انتقدهم بشدة فى كتيب أصدره، ومن ثم فإن المسألة لدى تلك الجماعة الإرهابية ليست متعلقة بالدين، بل بمشروعهم السلطوى لاختطاف الدولة والقفز على الحكم، لا فارق لديهم بين د. الذهبى- وزير الأوقاف السابق- ود. على جمعة، المفتى السابق، ود. فرج فودة، الكاتب والسياسى، والمستشار أحمد الخازندار، القاضى بمحكمة استئناف مصر، والمستشار هشام بركات، النائب العام.

أعلنت حركة اسمها «حسم» مسؤوليتها عن هذه الجريمة الإرهابية، بينما الجماعة الإرهابية الأم وتنظيمها الدولى تتخفى وراء تلك الأسماء والمسميات، لتبدو أمام البعض، خاصة فى أوروبا والولايات المتحدة، كأنها لا شأن لها بالإرهاب، بينما هى الأصل فى كل الأفكار والأعمال الإرهابية.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.