.
.
.
.

البوسفور سابقًا!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

لسبب سأتوقف عنده حالاً، قفزت صورة الرئيس السادات في ذهني، في اللحظة التي قرأت فيها الخميس الماضي، أن عدد الأتراك الذين جرى توقيفهم في أنحاء تركيا، منذ محاولة الانقلاب الفاشلة على إردوغان، قد بلغ 58 ألفًا!
والغالب، أن علامة التعجب التي جاءت بعد الرقم، ليست كافية للتعبير عن واقع الحال، وأظن أنها في حاجة إلى أن تتضاعف مرات!.. لأن محاولات الانقلاب إذا كانت قد وقعت، ثم فشلت يوم 15 يوليو (تموز)، وإذا كان العدد المُشار إليه، قد جرى نشره، صباح 4 أغسطس (آب)، فهذا معناه، أن الرئيس التركي يوقف ألفين من مواطنيه، في كل صباح، ابتداء من طلعة شمس اليوم التالي لإخفاق المحاولة، إلى أن حملت «الشرق الأوسط» إلى قرائها، إجمالي الذين تم توقفيهم صباح الخميس!
أما السادات، فلقد كانت حكايته مع جماعة الإخوان، قريبة الشبه بحكاية إردوغان مع جماعة فتح الله غولن، على الأقل من حيث البداية، ومن حيث النهاية.
لقد تحالف السادات مع الإخوان في بداية أيامه في الحكم، ثم دام التحالف لفترة، وكذلك فعل إردوغان مع جماعة «الخدمة» التي أسسها غولن، وليس سرًا أنها هي الجماعة التي حملته إلى الحكم في الثالث من فبراير (شباط) عام 2002!
وإذا كانت علاقة السادات مع الإخوان قد مرت بما يُشبه شهر العسل، بين الطرفين، فكذلك كانت العلاقة بين حزب العدالة والتنمية، الذي يرأسه إردوغان، وبين جماعة الخدمة.
وفيما بعد زيارة السادات إلى القدس، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1977، لم يعد شهر العسل عنده مع جماعة الإخوان، والجماعات الخارجة منها، عسلاً، ولكنه صار نوعًا من الحنضل، وصار كل طرف منهما يتربص بالآخر، ويستدرجه إلى فخ منصوب!
لقد جاء وقت على السادات، خطب فيه خطبة شهيرة، وراح خلالها يوجه كلامه إلى ضابط سابق في الجيش، جرى فصله لانتمائه إلى جماعات التطرف، ثم هرب عندما حاولت الشرطة القبض عليه.. خاطبه السادات من فوق شاشة التلفزيون قائلاً: أنه، أي الضابط الهارب، يسمعه قطعًا وهو يخطب، وأنه، سوف يقع في أيدي الشرطة خلال ساعات!
ولست أعتقد أن تلك الخطبة الشهيرة، التي ألقاها السادات في سبتمبر (أيلول) 1981، تختلف كثيرًا عن مشهد إردوغان، وهو يخطب هو الآخر، ولكن في يوليو 2016، موجهًا كلامه إلى غولن في الولايات المتحدة، ومتهمًا إياه بأنه كان وراء محاولة الانقلاب، ومتوعدًا إياه كذلك، بأنه سيكون في يد سلطات تركيا، في وقت قريب!
في ذلك الشهر من عام 1981، ألقى السادات القبض على 1536 مصريًا، كان بينهم محمد حسنين هيكل، وفؤاد سراج الدين وغيرهما من الأسماء الكبيرة والشهيرة، كما أنه حدد إقامة البابا شنودة، بابا الأقباط، وبطريرك الكرازة المرقسية، وكان هذا العدد هو أكبر عدد يتم توقيفه طوال عشر سنوات كان السادات قد قضاها في الحكم.
وكما ترى، فإن كل الذين قبض عليهم السادات، قد ألقى إردوغان القبض على أكثر منهم، في اليوم الواحد.
وكان السادات يرد على كل من يذهب إليه، يسأله الإفراج عن أبرياء في المجموعة الموقوفة، بأنه سيفرج عنهم جميعًا، ودون استثناء، مساء يوم 25 أبريل (نيسان) 1982، وهو التاريخ الذي كان قد تحدد مسبقًا لجلاء إسرائيل عن آخر بقعة من سيناء، وفق اتفاق السلام الذي تم توقيعه في مارس (آذار) 1971.
وكان السادات يقول، إن أحدًا لو وقف في طريقه إلى 25 أبريل 1982، فسيدوس عليه، حتى ولو كان هذا الأحد هو ابنه جمال نفسه!
والحال هنا، عند المقارنة، يختلف؛ لأنه لا أحد يجرؤ على أن يفاتح الرئيس التركي في شأن الموعد الذي سيفرج فيه عن الأبرياء من بين الـ58 ألفًا، الذين يبدو أنهم قد يزيدون!
ولأن القدر لم يمهل السادات، ليبلغ التاريخ الذي كان يريد أن يبلغه، فإن حسني مبارك هو الذي أفرج عنهم، عندما جاء إلى السلطة، بعد اغتيال السادات في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1981.
الطريف في الأمر، أن إردوغان قرر إطلاق اسم «جسر شهداء 15 يوليو» على جسر البوسفور الشهير.. وأصبح اسم الجسر القديم، كلما جاءت سيرته في صحافة تركيا، مقرونًا بكلمة «سابقًا»!
وفيما بعد رحيل السادات، أطلقت الحكومة على ميدان التحرير، اسم: «ميدان السادات».. وتم تثبيت لافتات صغيرة بالاسم الجديد، في أركان الميدان فعلاً، وربما لا يزال بعضها مثبتًا في مكانه إلى اليوم.. ولكن.. ظل المصريون يعرفونه بميدان التحرير، تمامًا كما سيبقى الأتراك يعرفون جسر «البوسفور سابقًا» بأنه البوسفور، دون سابقًا ودون لاحقًا.. فالتاريخ يستعصي بطبيعته على العبث بشتى أنواعه، والمدهش أن تتشابه وقائعه إلى هذا الحد!

* نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.