.
.
.
.

شجرة التين

هالة كوثراني

نشر في: آخر تحديث:

كنا نلعب تحت أشجار السرو. نتسلّق شجرة التين، ونتحدى الشمس. نمشي ونركض ونختبئ من أهلنا هرباً من ندائهم: «عودوا إلى البيت» أو «حان موعد الأكل». ومَن يهمّه الطعام في يوم يمضيه حرّاً بين الأشجار؟ بقيت لنا من الطفولة مشاهد استسلامنا للطبيعة، وتجارب ضياعنا فيها. كنا في إجازة الصيف نتحرّق شوقاً للوصول إلى القرية حيث الأبوابُ قليلةٌ ومفتوحة والمساحاتُ خضراء تنتظر ألعابنا. فنخترع قواعد جديدة للعب، ونحرّر صرخاتنا أو نهمس لبعض شركاء اللعب همساً كي لا نفضح أماكننا السرّية. أما أولادنا، فنراهم اليوم متعلّقين بأجهزتهم وألعابهم الإلكترونية. يركضون «افتراضياً» ويلعبون كرة القدم وهم جالسون في كراسيهم أمام الشاشات. لا يكبّون على قراءة كتاب «يزيّن» مكاتبهم بل يتابعون مراهقاً ثرثاراً على «يوتيوب» أو فتاة نرجسية مملّة.

ينبغي إنقاذ أولادنا من أنفسهم، من ألعاب طفولتهم الجديدة. ويجب تنظيم هذه الألعاب وتوضيح حدود علاقتهم بها. يكفي إخراجهم من محيطهم إلى الطبيعة، إلى حديقة أو بستان. هذا ما اتفقنا على القيام به. نحن ثلاث أمهات قصدنا مع أولادنا قرية في الجبال. ولم نسمح لهم بنقل أجهزتهم معهم. تركناها في عهدة المدينة. كم كان «طبيعياً» العناق بين الأولاد والطبيعة. كم سعدنا به. كان اختباراً مهماً. بناء العلاقة مع الطبيعة لا يحتاج إلى درس خصوصي. لقد أردنا أن يعيش أولادنا مشاهد تشبه ما بقي في ذاكرتنا من أيام الطفولة، ألّا يضيع الوقت في دهاليز عالم غير حقيقي. الطبيعة تصقل حواسنا، تربي فينا روح المغامرة. والحياة مغامرة حقيقية لا يمكن عيشها «افتراضيا» خلف الأبواب المغلقة والشاشات المضلِّلة.

*نقلاً عن "لها"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.