.
.
.
.

لماذا ينتصر الفاسدون في العراق

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

مَن ليس فاسدا لن يكون له مكان في الدولة العراقية. تلك ليست فرية؛ سياسيون ونواب وزعماء أحزاب وقادة كتل سياسية ورجال دين وأعمـال وصيـارفة مـوالون للنظام القائم يصـرحون بأن الفساد تمكـن من الدولة، بل إن البعض صار لا يجد غضاضة في الاعتراف علنا بفساده الشخصي وفساد مَن حوله من أفراد الطاقم السياسي الحاكم.
وإذا ما كانت منظمة الشفافية الدولية قد وضعت العراق في قمة قائمة الدول التي ينخرها الفساد، فإن الشعب العراقي، وهو ضحية ذلك الفساد، يملك من البراهين الواقعية التي تؤكد وجود ذلك الداء الخبيث بما يجعله في غنى عن الاطلاع على الوثائق الرسمية.

لقد وضع الفاسدون نصب أعينهم أن يحـولوا العراق كله إلى مختبر لعملياتهم.

وهذا ما فعلوه عبر سنوات سلطتهم الفالتة من أيّ رقابة. لم يتركوا مكانا في الدولة الناشئة والمتعثرة إلا ونشروا الفساد فيه. ففي بلدان أخرى يمكنك أن ترى وزيرا فاسدا. أما أن يكون موظفو الوزارة كلهم فاسدين، من الوزير إلى حراس الوزارة، فتلك ظاهرة تم اختراعها في العراق وحده.

سيقال إن هناك استثناءات، ليس من المعقول أن يكون الجميع فاسدين. لا بدّ أن يكون هناك إنسان شريف ونزيه ووطني ويخشى اللـه في خلقه. وهـو اعتراض طبيعي كانت مافيـات الفسـاد قـد أجابت عليـه من خلال اعتقال ذلك الشخص ملفقة له تهم الفساد أو الإرهاب، وإذا لم يكن ذلك الإجراء ميسّرا فإن الاغتيال لا يكلف شيئا في بلد يُقتل فيه الناس يوميا وبالعشرات، من غير أن تكلف الدولة نفسها بالبحث عن الجناة.

ما يعرفه الشعب العراقي عن الفساد، الذي صار ظاهرة اجتماعية، تعجز المنظمات الدولية المعنية بالأمر عن فهمه ولن تتمكن من البرهنة عليه. فهو فساد يجري في الممرات السرية للكيان الاجتماعي كما يجري الدم في جسد الإنسان.

كان نوري المالكي وهو الذي ترأس السلطة التنفيذية لثماني سنوات عبقريا في تدمير النزاهة الاجتماعية، بحيث فقد المجتمع قدرته على الدفاع عن قيم الشرف والنزاهة والعدالة الاجتماعية. لقد صنع الرجل طبقات من محدثي النعمة، تدين كلها له بالولاء، وهي الطبقات التي يتكون منها جيشه السري.

ليس السياسيون وحدهم هم المنتفعون من الفساد. هناك قوة اجتماعية لا يمكن الاستهانة بحجمها تقف وراءهم وتساندهم وتدافع عنهم. ذلك لأن مصيرها ارتبط بمصائرهم. لقد انتقل المالكي بالفساد من حالته السائلة إلى حالته الصلبة، وصنع منه كيانا متماسكا، يقوى على الدفاع عن نفسه في ظل أسوأ الظروف.

لذلك يشعر العراقيون بأن فضح عدد من عمليات الفساد ما هو إلا نوع من العبث.

وحين يعترف أحد أركان النظام العراقي القائم، وهو إبراهيم الجعفري، بأن الفساد قد تحول إلى ثقافة في المجتمع العراقي، فذلك يشير إلى اطمئنانه من أن أيّ محاولة لفضح الفساد ستبوء بالفشل، وذلك من خلال مقاومتها اجتماعيا.

ما يجري في العراق هو ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ.

لقد صنع الفاسدون قاعدة اجتماعية تدافع عنهم. ما كان ذلك ليحدث لولا أن المالكي استعمل الرشوة في شراء الولاءات الشعبية. وهو ما جعل منه السياسي الأكثر شعبية في العراق. هناك اليوم جيش من العاطلين عن العمل يدين بالولاء للمالكي، لا لشيء إلا لأن أفراد ذلك الجيش يقبضون رواتب خيالية وهم جالسون في بيوتهم.

أيمكن أن يُهزم الفاسدون في بلد يدافع فيه جزء لا يستهان به من مجتمعه عن الفساد؟ ما فعله الفاسدون بالمجتمع العراقي تعجز عن القيام به كبرى مافيات الفساد في العالم.

لقد سجل حزب الدعوة الإسلامي سبقا تاريخيا في الفساد.

*نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.