.
.
.
.

لماذا تشترى جنسية مصرية؟!

أحمد الصاوى

نشر في: آخر تحديث:

بعض الذين يدافعون عن مشروع منح إقامات دائمة ثم جنسية للمستثمرين مقابل وديعة مالية بالعملة الصعبة، أغضبهم ما كتبت فى هذه المساحة عن «بيع الترام»، متحدثين بوازع «وطنى» بالطبع عن عدم جواز تشبيه الجنسية المصرية بـ«الترام» وكأنها «مقلب» لا قيمة له، لأن الجنسية المصرية غالية جداً ومشرفة لكل من يحملها.

والحقيقة أن ما كتبته دافعه الوحيد أولاً هو اقتناعى التام بأن الجنسية المصرية غالية جداً، والذين يمتهنونها هم أولئك الذين يعرضونها للبيع بثمن، وبسذاجة بالغة تعبر عن عدم كفاءة البائع، أو من يفكر فى البيع، لا فى التسويق أو دراسة السوق، أو على الأقل افتراض أن هناك الكثير جداً من «السذج» أو الغاوين المستعدين لدفع أموال مقابل «لا شىء».

طبعاً ما يقدمه المشروع للزبون هو «لا شىء» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، دعك من القيمة المعنوية للجنسية، لأن المشروع فى الأساس يخاطب مستثمرين يحسبون الأمور بالورقة والقلم وبمعايير المكسب والخسارة، والصفقة بلاشك ليست «مغرية» لأى مستثمر حقيقى.

ربما تسمعهم يحتجون بأن بيع الجنسية أو الإقامات الطويلة ليست بدعة، ودول كثيرة تطبق هذا النظام، وهى كلمة حق لاشك، لكنها كلمة حق ناقصة تتجاهل ما تمنحه تلك الدول من مزايا تحفيزية لطالب الجنسية تساوى ما يدفعه من مال ويزيد.

هناك دول خليجية تفعل ذلك، لكنها فى المقابل ليس لديها نظام ضريبى من الأساس، وهو الحافز الأكثر جذباً بفعل طبيعة وخصوصية النظام الاقتصادى فى بعض دول الخليج، مع ملاحظة أن السعودية، مثلاً، تتجه لإصلاحات وفرض ضرائب لأول مرة، كذلك جميع الدول الأوروبية التى يُضرب بها المثل مثل قبرص ومالطا والنمسا وغيرها تمنحك بالقطع انفتاحاً على السوق الأوروبية والاستفادة من مزايا المواطن الأوروبى كاملة، ومناخ الاستثمار وفرصه الواعدة فى سنغافورة وأستراليا وغيرها من الدول، التى لا تحجّمها البيروقراطية والروتين ولا ينخر فيها الفساد، تسمح بجذب المستثمرين ورؤوس الأموال، حتى الدول الصغيرة كدومنيكا وسانت كيتس تمنحك جواز سفر صالحاً للمرور فى أكثر من نصف العالم دون تأشيرات.

هنا يتجدد السؤال: لماذا يشترى مستثمر جنسية مصرية؟

مناخ الاستثمار، كما أشرت فى المقال السابق، غير مشجع، لا فى السياسات ولا الإجراءات والتشريعات، ولا فى واقع تطبيق القوانين، وخبرات المستثمرين المنخرطين فى العمل داخل مصر، سواء كانوا مصريين أو أجانب، مع النظام الاقتصادى كله من أول الموظف الصغير حتى المؤسسات الحكومية الكبرى، تكفى لإثارة انزعاج أى مستثمر يفكر فى الدخول لمصر، ناهيك عن القرارات المفاجئة تماماً التى تباغت المجتمع كله، سواء فيما يخص السياسات المالية والنقدية، أو لوائح تخصيص الأراضى واستخراج التراخيص والتمويل.

غير ذلك التداخل السياسى و«الأمنى» فى مناخ الاستثمار بأشكال مختلفة، والرسائل السلبية التى تخرج عن ذلك، خصوصاً حين تباغتك إجراءات غير مفهومة، تبدو فى العلن وكأنها ذات بعد قضائى بحت فيما هى فى الباطن تحوى رسائل سياسية أو مواءمات ومساومات على خلفيات غير معلنة.

لك أن تعرف أن رجال أعمال عرفوا بإجراءات وقرارات تخص أموالهم ومشروعاتهم من الصحف، وليس من البنوك التى يتعاملون معها، والأمثلة كثيرة، منها، على سبيل المثال، لجنة «تبدو» قضائية، تصدر أوامر بالتحفظ على أموال رجل الصناعة المعروف صفوان ثابت بدعوى ارتباطه بالإخوان، فيما استندت «وقت إعلان قرارها» لمذكرات تحريات لم تحقق فيها ولم تسمع لأقوال المتهم، وإنما جعلته يعرف الخبر كأى مشاهد يجلس أمام التليفزيون لمتابعة المؤتمر الصحفى للجنة.

هنا لم تكن القضية هل الرجل مدان أم لا فيما وجهته اللجنة له من اتهامات، «معلوماتى أنه لا توجد أحكام نهائية فى هذا الشأن» وإنما فى الإجراءات الطبيعية التى لم تُتخذ مع أى متهم المفترض أنه «برىء حتى تثبت إدانته» وإصدار قرار بهذه الخطورة والتأثير على الاستثمار فى مصر وسمعته، وعلى مصالح الناس وأسهمها، وينال من مؤسسة صناعية كبرى لها التزاماتها المحلية والدولية، ودون منح المتهم مجرد فرصة للرد على هذه التحريات، أو وضع مذكرة دفاع أمام مصدرى القرار، كأبسط حق مكفول لمواطن، وبطريقة «نفذ وبعدين اتظلم».

وربما تتذكر ما جرى أيضاً مع رجل الأعمال المعروف صلاح دياب، المشهد الذى تم إخراجه فى الخامسة فجراً، عبر اقتحام منزله ومنزل نجله فى وقت متزامن وتمرير صوره وعناوين المواقع والصحف التى تحدثت عن القبض على الرجل فى قضايا متنوعة ومتعددة وخطيرة، ثم انتهى الأمر بتحقيق فى قضية حيازة بندقيتين (تحدث دفاعه عن دسهما عليه)، فيما بدا أنه رسالة مفزعة لمجتمع الأعمال كله.

ليست القضية على الإطلاق فى الأشخاص، وإنما فى الرسائل التى تخرج من وراء كل واقعة خصوصاً حين تنتهى إلى لا شىء تقريباً، فلا أحد يعرف مثلاً لماذا تصدر قرارات المنع من السفر، وبأى مبررات وهى قرارات يُطعن عليها إدارياً.

بأى منطق إذاً تريد الحكومة لمستثمر أجنبى أن يدفع ليكون مواطناً مصرياً؟ فيجد نفسه واقعاً وسط كل هذا الغموض والالتباس والعشوائية، فلا مناخ استثمار محفز، ولا سياق قانونيا مستقر فى العلاقة مع الدولة، ولا حقوق مواطنة مأمونة.. وبأى أمارة تفترض أن هذا المستثمر موجود من الأصل؟!

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.