.
.
.
.

تأَخَّرتُم...

الياس الديري

نشر في: آخر تحديث:

كثيرة هي الهموم والأزمات والمخاطر التي تسربل الوطن الصغير، المسيَّج من داخل بدويلة، وأحزاب مستنفرة، وثماني عشرة طائفة، ومن خارج بحدود من نار وكل أنواع الأسلحة وأنواع الميليشيات وإرهابيين من مختلف الأصناف والأسماء "العاطفيَّة".
إلا أنه يبقى في وضع نجده، عند المقارنة مع ما يحيط به، ممتازاً. على رغم أنه سبق له أن قدّم الجزية الدموية والتدميرية بحصة مبحبحة من الجهتين. ولفترة زمنيَّة جاوزت الخمسة عشر عاماً، مع مئتين وخمسين ألف شهيد، فضلاً عن مليون مهاجر الى بلاد الانتشار والاندثار.
وفي المناسبة، لا بد من الاشارة الى أن حركة الهجرة الى ديار الله الواسعة تكاد تكون متواصلة، زرافات وزرافات، لا وجود للوحدانا. ومن الأجيال المسلحة باختصاصات وكفايات عالية.
من هنا، بل على هذا الأساس يمكن "التعامل" مع "العاطفة الجيّاشة" التي باح بها الرئيس فرنسوا هولاند تجاه لبنان في مناسبة تضم لبنانيين ما زالوا يعتبرون باريس مربط خيلهم.
"فرنسا حاضرة دائماً لضمان أمن لبنان"، قال الرئيس الفرنسي للبنانيّين الحاضرين. وليعرِّج في كلامه على الوجود المسيحي في هذا المشرق، مشيراً بلفتة غير عابرة الى "أن لا غنى عن مسيحيّي الشرق لأنهم يساهمون في توفير التوازن وضمانه".
هذا "الكلام المسيحي"، أو من الناحية المسيحيَّة يكاد يكون متأخراً. بل هو في واقع الحال متأخِّر جداً. ولم يبق من مسيحيي المشرق بمنظار "التوازن" سوى ما تبقَّى من مسيحيِّي لبنان، وبعض الأرقام البسيطة من طحشة التهجير الأخيرة والمستمرة... من بلدان الجوار والأبعد قليلاً ضمن الجغرافيا العربيَّة.
لقد تأخرت فرنسا، وتأخرت أوروبا، وطنشت الروسيا، وأسقط في يد الفاتيكان.
أما بالنسبة الى أميركا، فإن الشرق الأَوسط بكامله "كان" يشكل عناصر مصلحيَّة مهمة للاقتصاد الأميركي، وربما لبعض استراتيجياتها التي بلغت الذروة في عصر الاتحاد السوفياتي.
أما في "عصر" الرئيس باراك أوباما، فبالكاد أخذ علماً بهذا الشرق، وبما وبمنْ فيه. لكنه لم يظهر يوماص أية مبالاة حيال ما يتعرَّض له المسيحيّون في العراق، في سوريا، في اليمن إذا انوجدوا، في ليبيا اذا ما كان قد بقي منهم من يخبّر. وهكذا...
ربما كان مطلوباً هذا الكلام، ومقروناً بالأفعال، قبل "خراب البصرة" أو حريقها. أما الآن، فلم يبق في الميدان سوى حديدان اللبناني... وبالكاد يلحق حاله، وبالكاد يلاقي ما يحرز الهوبرة مسيحياً في هذا البلد، اذا بقي حبل هجرة الشباب والشابات على الجرار، وعلى سلالم الطائرات المتجهة غرباً.
على أن من الضروري لفت الرئيس الفرنسي، و"القلقين" على مسيحيّي الشرق، الى أن لبنان "مؤلَّف" من ثماني عشرة طائفة، بينهم عدد من الطوائف المسيحية.
لقد تأخَّرتم جداً، مسيو لو بريزيدان.

*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.